المواطن يريد حلولًا.. لا معارك سياسية بقلم: فاتحة أحمد يشو

حين تتحول السياسة إلى معارك طاحنة بين السياسيين، وحين يصبح الخطاب الانتخابي ساحة للتراشق والاتهام والمناكفة، يضيع السؤال الأهم ؛ ماذا سيقدم كل حزب للمواطن؟ وماذا يستطيع أن يغير فعلا في حياته؟
فالمواطن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخصومات السياسية، بقدر ما يحتاج إلى إجابات واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ. إنه متعطش إلى التغيير، وإلى استعادة الثقة، وإلى أن يشعر بأن صوته ليس مجرد ورقة انتخابية تُستدعى في موسم الانتخابات ثم تُنسى بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
هناك قطاعات تحتاج إلى كثير من الاهتمام، وفي مقدمتها الصحة والتعليم، فضلا عن البطالة التي تثقل كاهل الشباب وتبدد سنوات من أعمارهم وهم ينتظرون فرصة قد لا تأتي. شباب يحملون أحلاما وطموحات، لكنهم يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان أمام طرق مسدودة، يستشرفون مستقبلا غامضا لا يعرفون كيف سيصلون إليه.
أما الغلاء، فحدث ولا حرج ،يلامس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن. فارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المواد الغذائية واللحوم والأسماك، إلى جانب أعباء فواتير الماء والكهرباء، تجعل تدبير الحياة اليومية أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل . ولهذا فإن المواطن لا يريد أن يسمع فقط من سيفوز ومن سيخسر، ومن رد على من، ومن هاجم من؛ بل يريد أن يعرف: ما الحل؟ وما الذي سيُنجز؟ وكيف سيصل أثره إلى حياته؟
ولعل أخطر ما يحدث أثناء الحملات الانتخابية أن السياسة قد تتحول من مجال للتنافس حول الأفكار والبرامج إلى مساحة تستعرض فيها بعض النفوس أمراضها الخفية: الأنا المتضخمة، وحب الظهور، والرغبة في الانتصار على الخصم أكثر من الرغبة في خدمة المجتمع. وعندما تصبح الذات أهم من الفكرة، يتحول الاختلاف السياسي من اختلاف صحي بين مشاريع ورؤى إلى صراع أشخاص، وتصبح الكرامة السياسية مرهونة بمن يعلو صوته أكثر، لا بمن يقدم حجة أقوى وبرنامجا أوضح.
وهنا يحضر قول أرسطو الشهير إن الإنسان «حيوان سياسي بالطبع»، في إشارة إلى أن الاجتماع السياسي جزء من طبيعة الحياة الإنسانية، وأن المدينة تقوم من أجل الحياة المشتركة وما يسميه أرسطو «الحياة الجيدة».
لكن السياسة لا تستقيم بمجرد الرغبة في الوصول إلى السلطة؛ وإنما بقيمة ما يقدمه الفاعل السياسي للجماعة التي يطلب ثقتها.
وتذهب حنّة آرندت إلى أن القوة السياسية الحقيقية تنشأ من عمل الناس معا ومن الحوار والإقناع، لا من مجرد القوة أو الإكراه، وترى أن شرعية المؤسسات ترتبط باستمرار دعم المواطنين ومشاركتهم.
ومن هنا، فإنني لست ضد العمل السياسي، وإن كنت لا أمارسه، بل أرى أن السياسة النبيلة ضرورة لأي مجتمع يريد أن يتقدم. لكن ما أتمناه هو أن نشاهد حملات انتخابية نظيفة، تتنافس فيها البرامج لا الشتائم، والأفكار لا الأحقاد، والمشاريع لا الأشخاص.
فليخبرنا كل مترشح، بهدوء ووضوح: ماذا سيغير؟ وما الذي يستطيع إنجازه؟ وما الذي لا يستطيع؟ وليكن التنافس في القدرة على الإقناع، وفي الأخلاق، وفي احترام المواطن وذكائه، لا في التشهير بالآخر أو التقليل منه.
أما المواطن، فهو الآخر أمام مسؤولية لا تقل أهمية: أن يجعل اختياره مبنيا على الوعي والقناعة، لا على القرابة أو الجيرة أو الصداقة أو العاطفة. فالصندوق الانتخابي ليس مكانا لمجاملة الأشخاص، وإنما وسيلة للتعبير عن اختيار سياسي يراه المواطن مناسبا لما ينتظره من ممثليه.
وفي النهاية، السياسة ليست معركة لإشباع الأنا، وليست منصة لإثبات من الأقوى صوتا؛ إنها مسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع. وكلما ارتفعت الأنا فوق المصلحة العامة، انخفضت قيمة السياسة نفسها.
لذلك، لعل أجمل ما يمكن أن نراه في أي حملة انتخابية هو أن يتحدث كل طرف عن برنامجه، وأن يترك للمواطن مساحة التفكير والمقارنة والاختيار. فالمواطن لا يحتاج إلى من يعلو صوته نيابة عنه، بل إلى من يسمع صوته أولا.
فاتحة أحمد يشو.









