د. أحمد محمد عبد الوهاب يكتب: محو الأمية في عصر الذكاء الاصطناعي.. معركة الإنسان من أجل المعرفة والازدهار

يحتفل العالم في الثامن من سبتمبر كل عام باليوم الدولي لمحو الأمية، غير أن احتفال عام 2026 يحمل دلالة خاصة؛ إذ يتزامن مع مرور ستين عامًا على إقرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» لهذه المناسبة عام 1966.
ويأتي الاحتفال هذا العام تحت شعار: «محو الأمية تحقيقًا لمصلحة الشعوب والأرض وبناء الازدهار»، وهو شعار يعكس تطور مفهوم محو الأمية من مجرد تعليم الإنسان القراءة والكتابة إلى بناء قدرته على التعلم المستمر والتعامل الواعي مع التحولات الرقمية والاقتصادية والبيئية.
محو الأمية حق إنساني
القدرة على القراءة والكتابة ليست امتيازًا يحصل عليه البعض، وإنما حق أساسي من حقوق الإنسان وبوابة لممارسة الكثير من الحقوق الأخرى. فالإنسان المتعلم يصبح أكثر قدرة على فهم ما يدور حوله، والحصول على الخدمات، والدفاع عن حقوقه، واتخاذ القرارات المناسبة في حياته.
ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في مجتمع يعاني أفراده العجز عن قراءة المعلومات الصحية، أو فهم الإجراءات الحكومية، أو الاستفادة من فرص التعليم والعمل. لذلك فإن القضاء على الأمية ليس مسؤولية المؤسسات التعليمية وحدها، بل مسؤولية تشترك فيها الحكومات والمدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني.
من الأبجدية إلى الرقمية
لم تعد الأمية في عصرنا مقتصرة على عدم معرفة القراءة والكتابة؛ فقد ظهرت صور جديدة منها، في مقدمتها الأمية الرقمية والمعلوماتية.
قد يستطيع الإنسان قراءة الكلمات وكتابتها، لكنه يعجز عن استخدام الخدمات الإلكترونية، أو التحقق من صحة خبر منشور، أو حماية بياناته الشخصية، أو التمييز بين المحتوى الحقيقي والمعلومات المضللة التي تنتجها بعض أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأصبحت القدرة على استخدام التكنولوجيا بصورة آمنة وواعية ضرورة للمواطنة الفاعلة، وليست مهارة ترفيهية. فالعديد من فرص العمل والخدمات المصرفية والصحية والتعليمية انتقلت إلى البيئة الرقمية، وأصبح افتقاد هذه المهارات شكلًا جديدًا من أشكال الاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي.
المعرفة لحماية الإنسان والكوكب
يربط شعار عام 2026 بين محو الأمية وحماية الكوكب؛ لأن مواجهة التغير المناخي والمشكلات البيئية تبدأ بمجتمع قادر على فهم المعلومات وتحليلها وتحويلها إلى سلوك يومي مسؤول.
فالوعي بقضايا المياه والطاقة والتلوث وإدارة النفايات يحتاج إلى محتوى تعليمي مبسط يصل إلى جميع فئات المجتمع، بما فيها الفئات الأقل حظًا في التعليم. وكلما ارتفع مستوى الوعي، أصبح الإنسان أكثر قدرة على اتخاذ قرارات تحمي صحته وبيئته ومستقبل أبنائه.
التعليم طريق الازدهار
تسهم المجتمعات المتعلمة بصورة أكبر في الابتكار والإنتاج والحد من الفقر، كما تمتلك قدرة أفضل على توفير فرص عمل مستدامة ومواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن الإنفاق على برامج محو الأمية لا ينبغي النظر إليه باعتباره عبئًا ماليًا، بل استثمارًا مباشرًا في أمن المجتمع واستقراره وقدرته على المنافسة. وكل مواطن يحصل على فرصة حقيقية للتعلم يمثل إضافة جديدة إلى طاقة المجتمع الإنتاجية.
مسؤولية الإعلام
يقع على المؤسسات الإعلامية دور مهم في هذه القضية، من خلال تقديم محتوى موثوق بلغة واضحة، ومحاربة الأخبار الزائفة، ونشر الوعي بالمهارات الرقمية، وإتاحة المعرفة للفئات المختلفة دون تعقيد أو تمييز.
كما يجب أن تتجاوز الحملات الإعلامية الاحتفال بالمناسبة ليوم واحد، وأن تتحول إلى برامج مستمرة تدعم التعلم مدى الحياة، وتسلط الضوء على التجارب الناجحة، وتشجع المتطوعين والمؤسسات على المشاركة في مواجهة الأمية بأشكالها التقليدية والحديثة.
إن معركة محو الأمية اليوم هي معركة من أجل الإنسان وكرامته ومستقبله. ولن يكون المجتمع مستعدًا لعصر الذكاء الاصطناعي بمجرد امتلاك الأجهزة والمنصات، وإنما بامتلاك مواطن قادر على القراءة والفهم والنقد والتحقق والتعلم المستمر.
فالتعليم والمعرفة حق للجميع دون تمييز، وبناء الإنسان المتعلم هو البداية الحقيقية لبناء مجتمع أكثر وعيًا واستقرارًا وازدهارًا.
د. أحمد محمد عبد الوهاب
استشاري الصحة النفسية والتربية الخاصة
الرئيس التنفيذي لموقع احتواء نيوز
#اليوم_الدولي_لمحو_الأمية
#اليوم_العالمي_لمحو_الأمية2026
#احتواء_نيوز
#الأمية_الرقمية
#الذكاء_الاصطناعي









