هذا الموقع يتطلب تشغيل JavaScript للعمل بشكل صحيح. رجاءً قم بتمكين JavaScript في المتصفح.
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦ - ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ - ٠٢:٠٢ القاهرة
هيئة التحرير

رئيس مجلس الادارة

عبد المنعم سالم

رئيس التحرير

نجوي يوسف

فن وثقافة

بقلم الكاتبة: ا. فاتحة أحمد يشو - الرشيدية

ماذا أعددنا للغد؟

img_preview
كتب : خاص احتواء الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٣:٥٦
مشاركة :
whatsapp facebook twitter

بعد أن سافرت إلى الماضي في نصي «رسالة إلى الماضي»، وجدتني هذه المرة أمام رغبة أخرى لا تقل إغراء؛ أن أستشرف المستقبل، وأن أمد بصري إلى ذلك الغد المجهول الذي يقترب منا، سواء أعددنا له أم تركناه يفاجئنا.

حضّرت فنجان قهوتي، وتركته يتضوع برائحة الماضي المعتقة، ثم تأملت فنجاني الجميل طويلا. حملت قلمي، وتأبطت أوراقي البيضاء التي لم تنتهك عذريتها بعد؛ وقررت ألا أخربش عليها إلا وأنا أقف على عتبة الغد، حيث الأسئلة أكبر من الأجوبة، وحيث المستقبل لا ينتظرنا لكي نستعد له.

قلت في نفسي: ماذا أعددنا للمستقبل؟

هل تكفي الأبنية الحديثة، والطرق الواسعة، والتكنولوجيا المتقدمة، لكي نقول إننا دخلنا المستقبل؟ أم أن المستقبل الحقيقي يبدأ من الإنسان نفسه؛ من عقله، وتعليمه، وصحته، وقدرته على التفكير والإبداع وصناعة المعنى؟

إن المستقبل لا يُبنى بالإسمنت وحده، ولا تقاس جاهزية الأمم بعدد ما تمتلكه من أجهزة وشاشات، وإنما بما تملكه من إنسان قادر على استعمال هذه الأدوات دون أن يتحول هو نفسه إلى أداة في يدها.

وقد تنبّه الفيلسوف والكاتب الكندي مارشال ماكلوهان مبكرا إلى أن وسائل الاتصال ليست مجرد أدوات محايدة، بل إنها تعيد تشكيل طرائق إدراكنا للعالم وعلاقاتنا به. واليوم، ونحن نعيش داخل فضاء رقمي شديد الحضور، تبدو هذه الفكرة أكثر إلحاحا،فالشاشة الصغيرة التي نحملها في أيدينا قد تفتح لنا أبواب المعرفة، لكنها قد تتحول أيضا إلى نافذة لا نغادرها، حتى يصبح العالم الذي خلفها أقل إغراء من العالم الذي تصنعه الخوارزميات.

ولست ضد التكنولوجيا، ولا ضد الهاتف، ولا ضد العالم الرقمي؛ فالرفض الأعمى للتطور ليس حكمة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الوسيلة إلى غاية، وحين يصبح الإنسان تابعا لما صنعه بيديه.

لقد استنفدت شاشات الهواتف جزءا كبيرا من طاقات شبابنا، وأصبح بعضهم يعيش ساعات طويلة في فضاء افتراضي يختلط فيه الحقيقي بالوهمي، والمعرفة بالضجيج، والتواصل بالعزلة. وليس الخطر في الشاشة ذاتها، بل في أن نفقد القدرة على إغلاقها والعودة إلى أنفسنا.

فالإنسان الذي اعتاد الاستهلاك السريع للمحتوى قد يجد صعوبة في الصبر على كتاب أو تأمل فكرة، أو خوض حوار عميق. وحين تضعف ملكة التركيز والتأمل، يصبح العقل أكثر قابلية للاستسلام للمعلومة السريعة، وللصورة العابرة، وللخطاب الذي لا يحتاج إلى تفكير.

وهنا أتساءل مرة أخرى: أي مستقبل نريد، إذا كنا لا نعد عقول الذين سيحملونه؟

لا يمكن أن نستشرف الغد بمدارس تعيد إنتاج الماضي، ولا بمناهج لا تمنح المتعلم مساحة كافية للسؤال والابتكار والنقد. ولا يمكن أن نتحدث عن مجتمع مستقبلي بينما تظل صحة الإنسان، الجسدية والنفسية، في آخر سلم اهتماماتنا.

فالمدرسة ليست مكانا لتلقين المعلومات فقط؛ إنها الورشة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الإنسان، ويتعلم فيها كيف يفكر، لا ماذا يفكر فقط.

والمستشفى ليس بناية تعالج المرض بعد وقوعه فحسب؛ إنه جزء من منظومة تحفظ للإنسان كرامته وتمنحه الحق في أن يعيش حياة آمنة وصحية.

أما الشباب، فهم ليسوا مجرد فئة عمرية نعبر بها في الإحصاءات، بل هم الذاكرة التي ستتحول إلى مستقبل، والطاقة التي يمكن أن تبني أو تهدر. ولذلك فإن خسارة شاب واحد في متاهات الإدمان أو اليأس أو البطالة أو الانحراف ليست خسارة فردية فحسب؛ إنها خسارة لجزء من المستقبل.

وما أشد قسوة أن تصبح بعض أشكال الإدمان قريبة من المؤسسات التعليمية، وأن يجد بعض الشباب أمام أعينهم ما يستنزف عقولهم وأجسادهم ويقتل فيهم الرغبة في الإنجاز. إن مواجهة هذه الظواهر لا ينبغي أن تختزل في العقاب وحده، لأن الإدمان، في كثير من صوره، قضية اجتماعية وصحية وتربوية، تحتاج إلى الوقاية والتوعية والعلاج، بقدر حاجتها إلى القانون.

وقد حذّر عالم الاجتماع زيغمونت باومان من ملامح عالم سريع التحول، تصبح فيه العلاقات والهويات والاختيارات أكثر هشاشة وسيولة. ولعل هذا الوصف يساعدنا على فهم جانب من واقع شباب اليوم؛ إذ يعيش الفرد في عالم تتغير فيه الصور والقيم والوظائف وطرق التواصل بسرعة تفوق أحيانا قدرته على الاستيعاب.

لكنني، رغم كل هذا القلق، لا أريد أن أكتب عن المستقبل بلغة سوداء.

فالمستقبل ليس قدرا مكتوبا ينتظرنا فحسب بل مساحة من الاحتمالات نصنع جانبا كبيرا منها اليوم.

يمكن للشاشة أن تكون جامعة مفتوحة، كما يمكن أن تكون سجنا ناعما ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة للمعرفة والإبداع، كما يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتكريس الكسل الفكري إذا استبدل الإنسان به قدرته على التفكير. ويمكن للمدينة الحديثة أن تكون فضاء للعيش الكريم، إذا واكب عمرانها استثمار حقيقي في الإنسان.

المسألة إذن ليست في أن نختار بين الماضي والمستقبل، وإنما في أن نحمل من الماضي حكمته، ونترك ما تجاوزه الزمن، ثم نمضي إلى المستقبل بعقل مفتوح ووعي يقظ.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله ونحن نكتب على تلك الأوراق البيضاء التي لم تنتهك عذريتها بعد، أن نسأل أنفسنا قبل أن نخط أول حرف:

هل نكتب مستقبلا لأبنائنا، أم نترك لهم أوراقا مثقلة بأخطائنا؟

إن المستقبل الذي أخشاه ليس ذلك الذي تسكنه الآلات، بل ذلك الذي يسكن الآلات بينما يفرغ الإنسان من إنسانيته.

وأخشى غدا لا تكون فيه المشكلة أن شبابنا لا يعرفون استعمال التكنولوجيا، بل أن التكنولوجيا تعرف كيف تستعملهم.

لذلك، فإن استشراف المستقبل الحقيقي يبدأ من الحاضر ،من مدرسة تحترم عقل المتعلم، ومستشفى يصون كرامة المريض، وثقافة تحمي الشباب من الفراغ، وسياسات اجتماعية تمنح الإنسان فرصة للحياة الكريمة، وفضاء رقمي نعلم أبناءنا كيف يعبرونه بوعي لا كيف يغرقون فيه.

أغلقت قلمي لحظة، ونظرت إلى فنجان القهوة الذي بدأ يفقد دفأه.

كان الماضي لا يزال يفوح منه، لكنني أدركت أن رائحة الماضي وحدها لا تكفي لصناعة الغد.

وضعت أول نقطة على الورقة البيضاء وقلت:

لنكتب المستقبل قبل أن يكتبنا.

فاتحة أحمد يشو

آخر الأخبار
اعلن معنا
Ehtwaa_logo

احتواء نيوز هي منصتكم الأولى التي تجمع بين أخبار العالم , اقتصاد , سياسة , الصحة النفسية، والتربية الخاصة ، واللايف كوتشينغ ، في رؤية متكاملة تعزز نمو الإنسان ورفاهيته على المستويات كافة

اتصل بنا

العنوان : حدائق الأهرام - البوابة الأولي
الهاتف : 01556650744
الايميل : ehtwaanews@gmail.com
إشترك معنا بالنشرة الإخبارية
كن على اتصال معنا

الموقع الجغرافى :

© 2025 احتواء نيوز - EhtwaaNews. جميع الحقوق محفوظة.