مملكة المغرب
سجلماسة… حين تنطق الأطلال ويُستدعى الزمن

عند الوقوف على أطلال قصور سجلماسة، لا يكون المكان مجرد بقايا حجارة صامتة، بل يتحول إلى بوابة مفتوحة على الزمن، توقظ فينا رغبةً عميقة في السفر عبر التاريخ، لا بدافع الحنين وحده، بل بدافع المعرفة: من هم أولئك الذين شادوا حضارة ما تزال آثارها قائمة إلى اليوم، تصرّ على الصمود، سامقةً شامخة، في وجه تقلبات الزمن وقسوة الظروف؟سجلماسة ليست أثرًا منسيًا في هامش الجغرافيا، بل ذاكرة حيّة، قاومت عوامل الطبيعة، وواجهت زحف العمران الحديث، وظلّت قائمة لتقول للحاضر: ها أنا ذا… عروس لا تشيخ. لم تنل الحداثة من جمالي شيئًا، ولم تستطع أن تمحو ملامحي أو تطمس روحي، رغم كل ما أُلقي عليّ من إهمال ونسيان.وأمام هذه الأطلال، يتجاوز التأمل حدود النظر إلى فعل الإصغاء؛ إصغاء لصوت خافت لكنه عميق، لم تُسكته رياح الشرق، ولم تُخرسه عواصف الزمن. صوت يعلو من بين الجدران المتهدمة، مناديًا: أنقذوا ما تبقّى مني، فالمكان الذي يُترك للنسيان، يُترك معه جزء من الذات الجماعية للاندثار.إن سجلماسة لا تطلب الشفقة، بل تطالب بالتصالح مع التاريخ، لأن من لا يصالح ماضيه، يعجز عن بناء مستقبل متوازن. فالتاريخ ليس عبئًا يُتجاوز، بل ركيزة يُؤسَّس عليها الوعي، والهوية، والاستمرارية. وحين نُهمل موروثنا، لا نخسر حجارة ولا أطلالًا فحسب، بل نفقد جزءًا من ذاكرتنا الرمزية، ومن صورتنا في مرآة الزمن.ومن هنا، تصبح مسؤولية الحفاظ على هذا الموروث مسؤولية جماعية، تتجاوز المؤسسات إلى الأفراد، وتتجه بالأساس إلى الأجيال القادمة، التي ينبغي أن نعلّمها أن الاعتناء بالتراث ليس ترفًا ثقافيًا، بل فعل وجودي. فـ من فقد موروثه، فقد هويته، ومن انقطع عن جذوره، تاه في حاضر بلا عمق ولا معنى.أما سجلماسة، فهي، رغم كل شيء، ما تزال مصرة على البقاء، شاهدةً على تعاقب العصور، حاملةً في صمتها حكمة الأزمنة. كأنها تنتظر زمنًا يُنصت إليها من جديد، زمنًا يحاكي عظمتها، ويفهم أن الحضارة لا تُقاس بما نُشيّده اليوم فقط، بل بما نحسن حفظه من الأمس.فاتحة أحمد يشو









