د.أحمد محمد عبد الوهاب يكتب رمضان… شهر التقوى والمغفرة وسبيل الفوز بالجنة

الحمد لله الذي فرض الصيام رحمةً بعباده، وجعله سُلَّمًا للترقي في مدارج الإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الصائمين والقائمين، القائل «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه».
أما بعد، فإن شهر رمضان المبارك موسمٌ عظيم من مواسم الطاعات، ومنحة ربانية يتدارك الله بها عباده برحمته ومغفرته. قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فدلّت الآية على أن الغاية من الصيام تحقيق التقوى، وهي جماع الخير كله، إذ بها يستقيم العبد ظاهرًا وباطنًا، ويصلح سره وعلانيته.
والصيام في حقيقته ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، وإنما هو إمساكٌ عن كل ما لا يرضي الله من قولٍ أو فعلٍ أو خاطر. فمن صام بطنه ولم تصم جوارحه، فقد نقص حظه من هذه العبادة الجليلة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»، تنبيهًا إلى أن حقيقة الصيام إنما تتحقق بصيانة اللسان، وغض البصر، وكف الأذى، وحفظ القلب من الرياء والحسد وسائر الآفات.
وفي رمضان يتأكد شأن القرآن، فهو الشهر الذي أنزل فيه هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان. وكان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، وفي ذلك إشارة إلى عِظَم شأن التلاوة والمراجعة والتدبر في هذا الشهر الكريم. فالواجب على المؤمن أن يجعل للقرآن نصيبًا وافرًا من يومه، يتلوه بخشوع، ويتدبر معانيه، ويعرض نفسه على أوامره ونواهيه، فإن القرآن إنما أُنزل ليُعمل به لا ليُتلى بالألسن فحسب.
وأما القيام فهو شرف هذا الشهر وزينته، وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم بالمغفرة لمن قامه إيمانًا واحتسابًا. والقيام مدرسة في الإخلاص، ومجال لتصفية القلوب، إذ يقف العبد بين يدي مولاه في سكون الليل، يناجيه ويستغفره ويسأله من فضله. ومن أعظم ما يُرجى في هذه الليالي إدراك ليلة القدر، التي قال الله في شأنها ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، فهي ليلة تتنزل فيها الرحمات وتُكتب فيها المقادير.
وإذا أردنا أن نبلغ ختام رمضان بقبولٍ وفوز، فعلينا أن نسير فيه سيرًا متدرجًا قائمًا على الثبات والزيادة. ففي أيامه الأولى يجتهد العبد في إحكام الفرائض، والمحافظة على الصلوات في أوقاتها، والإقبال على القرآن ولو بجزءٍ يومي، مع لزوم الاستغفار وتجديد التوبة. فإذا استقرت هذه الأسس، زاد في النوافل من قيامٍ وصدقةٍ وصلة رحم، وجعل لنفسه وقتًا يوميًا للدعاء والخلوة مع الله، خاصةً قبيل الإفطار، فإنها ساعة إجابة.
فإذا أقبلت العشر الأواخر شدّ العزم، واقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان إذا دخلت العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله. فيكثر من القيام، ويلازم الدعاء، ويتحرّى ليلة القدر، ويضاعف الصدقة، ويجتهد أن يختم الشهر وقلبه أصلح حالًا، ولسانه أصدق قولًا، وعمله أقرب إلى القبول.
عباد الله، إن العبرة ليست بكثرة الأعمال فحسب، ولكن بصدق الإقبال وحسن الختام. فمن أحسن في أول الشهر ثم فتر، فقد فوّت خيرًا عظيمًا، ومن جدّ واجتهد حتى النهاية رُجي له القبول. فليكن رمضان محطة انطلاق لا وقفة عابرة، ولنجعل من أيامه زادًا لما بعده.
نسأل الله تعالى أن يبلغنا رمضان أعوامًا عديدة، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وغض الأبصار وحفظ الألسن، وأن يجعلنا من المقبولين المرحومين، ومن عتقائه من النار، وأن يختم لنا بخيرٍ إنه ولي ذلك والقادر عليه.









