حين يتبلّد الألم… كيف علّمتنا المذابح أن نفقد دهشة البكاء؟

بقلم. سعيد حاجي
لا يهمنا ما حدث صباح اليوم في فينزويلا من هجوم امريكي واختفاء الرئيس مادورو وزوجته. فقد اختفت من قبل عشرات آلاف الأسر من جغرافية غـ..زة . اختفوا دون أثر، إلا من بقايا ألعاب أطفال محطّمة، وصور باهتة علقت على جدران البيوت المقصوفة. تبلدت أحاسيسنا، تجمدت، تصلبت، كما يتصلب الطين تحت شمس المجازر، وكأننا نُعجن كل يوم في فرن الخيبات الكبرى...
لا شيء يعنينا حين يُقصف حي آخر، حين تُدكّ مدينة أخرى . فبعد الذي رأيناه هناك، لم يعد للعالم ما يدهشنا به. لم يعد الموت طارئا، ولا النزيف حدثا. صار كل انفجار نتابعه كما نتابع نشرة الطقس: ببرود تقني وملامح باهتة. صار الدم خبزا يوميا لا نحتفي به ولا نأسف عليه...
كأن الإنسانية تم إعادة قولبتها في معمل صامت، جُرّدت فيه من العاطفة، وأعيد تشكيلها وفق الحاجة السياسية. أن نموت كل يوم، أن نرى الموت ونعبر بجانبه دون أن نلتفت، هذا ما أرادوه لنا. لقد نجحوا...
دوستويفسكي مرّرها في فمه حين كتب عن "ألم الطفل الذي لا تبرره فلسفة العالم"، لكن العالم ذاته صار يبرر الألم بالجملة، يقدّمه كجزء من الواقعية السياسية، أو ما يسميه الفلاسفة بـ"الواقعية الباردة"...
ولأن السياسة صارت بيولوجيا مصالح لا أخلاق فيها، لم نعد نستشعر قيمة الغضب النبيل. هجرتنا الدهشة. لم نعد نحزن، ليس لأن الحزن غير مستحق، إنما لأن طاقتنا عليه استُنفذت، كما تُستنفذ مادة نادرة...
كتب مصطفى محمود ذات حزن على الإنسانية : "إن الإنسان حين يُسلم إحساسه للألم كثيرا، يتحول الألم إلى حالة عادية. كأن القلب ينسحب من مكانه تدريجيا ويتركك في مواجهة الفراغ". نحن في مواجهة هذا الفراغ الآن. فراغ حسي وأخلاقي ومعنوي، تسببت فيه كثافة الأهوال التي تساقطت على رأسنا كالمطر الأسود...
الهجوم على فنزويلا؟ ربما هو خبز الآخرين المحترق، لكن نار أفراننا لم تُطفأ بعد. لم نغلق بعد فم الطفل الغزي وهو يصرخ داخل حفرة الدفن الجماعي، لم نعدّ بعد أطراف الذين بُتروا تحت الأنقاض، لم نخيط بعد قلوب الأمهات...
وحين يُسأل الضمير: لماذا لا تبكي اليوم؟ يجيبه اللاشعور الجمعي: لأنني بكيت كثيرا حتى تحولت دموعي إلى ملح عقيم لا ينبت سوى السخط...
العالم يركض نحو الهاوية بلا توقف. والضمير الإنساني يُسلّم نفسه لتقنيات البقاء، ويتخلى عن لياقة البكاء. لم نعد نبكي، لأن ما رأيناه علمنا أن البكاء لم يوقف شيئا...
نحن في عصر يسمّى فيه الصمت حكمة، ويُعتبر فيه عدم التعاطف وعيا، وتحليل الكارثة بدون انفعال يسمّى تبصّرا. إنه الانومي كما فسر إميل دوركايم، حين تنهار المعايير ويضيع الإطار الجمعي، فلا يشعر الأفراد بالانتماء لأي منظومة قيمية...
قد ندين ما يحدث هناك، في فنزويلا، نظريا، في فقرة إخبارية، لكن لا تنتظروا من قلوب مبللة برائحة بارود غـ..زة أن تنبض بالتفاعل، فقد تم قصف كل ما فيها من نُبل... سابقا.









