مدير التحرير يكتب «الكتاب رهينة القسط الثاني»… عندما تتحول المدارس إلى منافذ تحصيل لا مؤسسات تعليم

لم يعد المشهد التعليمي في بعض المدارس مجرد عملية تعليمية تهدف إلى بناء عقل الطالب، بل أصبح — للأسف — أقرب إلى معادلة مالية صارمة عنوانها: ادفع أولًا… ثم تعلّم لاحقًا. ففي إحدى مدارس الإسكندرية الخاصة فوجئ أولياء الأمور بشرط غريب ومثير للجدل: لن تُسلَّم الكتب المدرسية إلا بعد سداد القسط الثاني من المصروفات، رغم أن العام الدراسي قد بدأ بالفعل، والطلاب مطالبون بالمذاكرة والمتابعة اليومية.
المفارقة الساخرة أن الطالب أصبح مطالبًا بحفظ الدروس التي لم يستلم كتابها أصلًا، وكأن التعليم تحول إلى اختبار في التخمين لا في الفهم.
---
الكتاب المدرسي ليس سلعة للبيع
وفقًا لقرارات وزارة التربية والتعليم المصرية، فإن الكتاب المدرسي جزء أساسي من العملية التعليمية وليس أداة ضغط مالي. وقد أكدت الوزارة في أكثر من تعميم رسمي أن:
عدم ربط تسليم الكتب المدرسية بسداد المصروفات بالكامل.
تسليم الكتب للطلاب مع بداية العام الدراسي لضمان تكافؤ الفرص التعليمية.
منع أي ممارسات تعوق الطالب عن الحصول على حقه التعليمي بسبب ظروف مالية.
وتستند هذه التعليمات إلى مبدأ دستوري واضح نص عليه الدستور المصري في المادة (19)، التي تؤكد أن التعليم حق لكل مواطن، وتلتزم الدولة بإتاحته دون تمييز أو عوائق تعسفية.
بمعنى أبسط:
الكتاب حق تعليمي… وليس إيصال أمانة.
---
عندما يصبح الطالب ضحية «سياسة التحصيل»
المشكلة لا تقف عند منع الكتب فقط، بل تمتد إلى نقطة أكثر إثارة للدهشة: رفض بعض المدارس الدفع الإلكتروني سواء عبر الفيزا أو خدمات التحويل مثل إنستاباي، رغم توجه الدولة الكامل نحو التحول الرقمي وتقليل التعامل النقدي.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
الدولة تطالب بالمجتمع غير النقدي، بينما بعض المدارس تصر على الدفع النقدي وكأننا في تسعينيات القرن الماضي.
السؤال المشروع:
إذا كان الهدف هو تسهيل السداد، فلماذا يتم إغلاق كل الوسائل الحديثة أمام ولي الأمر؟ ولماذا يتحول الدفع إلى رحلة شاقة بدلًا من خدمة منظمة؟
---
تعليم أم «نظام تقسيط»؟
الواقع الحالي يجعل ولي الأمر يشعر أنه لا يتعامل مع مؤسسة تعليمية، بل مع شركة تمويل تشترط الدفعة قبل تسليم المنتج. الفرق الوحيد أن المنتج هنا هو حق الطالب في التعلم.
والأكثر غرابة أن بعض المدارس تطالب بالقسط الثاني مبكرًا — أحيانًا قبل موعده الفعلي — ثم تربطه مباشرة بالكتب، في مخالفة واضحة لفلسفة القرارات الوزارية التي تفصل بين الخدمة التعليمية والإجراءات المالية.
فالطالب لا يجب أن يدفع ثمن خلاف إداري، ولا أن يتحول إلى وسيلة ضغط على أسرته.
---
أين الرقابة التعليمية؟
إذا كانت التعليمات الوزارية واضحة، فلماذا تتكرر هذه الممارسات كل عام؟
الإجابة التي يعرفها الجميع ولكن لا تُقال بصراحة: ضعف المتابعة الميدانية يسمح بتحويل الاستثناء إلى قاعدة.
فالمدرسة التي تمنع كتابًا اليوم قد تمنع نشاطًا غدًا، ثم امتحانًا بعد ذلك، حتى يصبح الحق التعليمي مشروطًا بالكامل بالدفع الفوري.
وهنا تتحول العلاقة بين المدرسة وولي الأمر من شراكة تربوية إلى مواجهة مالية.
---
الرسالة الأهم
التعليم ليس رفاهية، والكتاب المدرسي ليس مكافأة لمن يسدد سريعًا.
المدرسة مؤسسة تربوية قبل أن تكون جهة تحصيل، وأي ممارسة تحرم الطالب من أدوات التعلم الأساسية تخالف روح القانون حتى لو حاول البعض تبريرها إداريًا.
الطالب لا يجب أن يبدأ يومه الدراسي بسؤال:
«هل استلمت الكتاب؟»
بل بسؤال واحد فقط:
«ماذا سنتعلم اليوم؟»
---
الخلاصة
ربط تسليم الكتب المدرسية بسداد القسط الثاني ليس فقط إجراءً غير تربوي، بل يتعارض مع تعليمات وزارة التربية والتعليم ومبادئ العدالة التعليمية. أما منع وسائل الدفع الإلكتروني، فهو خطوة عكس اتجاه الدولة بالكامل.
والسؤال الذي يظل معلقًا:
هل الهدف صناعة جيل متعلم… أم جيل يجيد الوقوف في طوابير الدفع؟
لأن التعليم الحقيقي يبدأ بالكتاب في يد الطالب، لا بالإيصال في يد الإدارة









