نصر أكتوبر.. حين تتحول الإرادة إلى قوة تصنع المستحيل

بقلم: د. أحمد محمد عبد الوهاب
استشاري الصحة النفسية والتربية الخاصة والإرشاد الأسري – مدرب معتمد
في السادس من أكتوبر، لا نستعيد مجرد ذكرى انتصار عسكري عظيم في تاريخ مصر، وإنما نستعيد درسًا إنسانيًا عميقًا يؤكد أن الهزيمة ليست نهاية الطريق، وأن الإنسان قادر على النهوض من أصعب الظروف عندما يمتلك الإرادة، ويحدد هدفه، ويستعد له بالعلم والعمل والتخطيط.
لقد قدم أبطال القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر 1973 نموذجًا خالدًا في الشجاعة والتضحية والانضباط والإصرار. فتحية إجلال وتقدير لأرواح شهدائنا، ولأبطال مصر الذين صنعوا النصر، ولكل من شارك في ملحمة ستظل جزءًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية المصرية.
من الانكسار إلى الانتصار
من منظور التنمية البشرية، يحمل نصر أكتوبر رسالة شديدة الأهمية: لا تجعل تجربة فشل واحدة تحدد مستقبلك.
فالإنسان قد يتعرض لهزيمة في عمله، أو يفشل في مشروع، أو يخسر فرصة كان ينتظرها، أو يمر بأزمة تجعله يشعر أن الطريق قد انتهى.
لكن الفارق الحقيقي ليس بين إنسان يفشل وآخر لا يفشل؛ فالجميع معرضون للتعثر. الفارق هو في طريقة التعامل مع التعثر.
هناك من يحوّل التجربة الصعبة إلى حكم نهائي على نفسه: أنا لا أستطيع.
وهناك من يسأل: ماذا تعلمت؟ وكيف أستعد بصورة أفضل للمحاولة القادمة؟
وهنا تبدأ صناعة الانتصار.
الإرادة وحدها لا تكفي
من أجمل الدروس التي يمكن أن نستخلصها من أكتوبر أن الحماس وحده لا يصنع النجاح.
الإرادة تحتاج إلى تخطيط، والطموح يحتاج إلى معرفة، والهدف يحتاج إلى تدريب واستعداد وانضباط.
وهذا ينطبق على حياتنا اليومية.
إذا أردت النجاح في الدراسة، فلا يكفي أن تتمنى التفوق. وإذا أردت النجاح في العمل، فلا يكفي أن تحلم بمنصب أفضل. وإذا أردت تغيير حياتك، فلا يكفي أن تقول: سأبدأ غدًا.
اسأل نفسك ثلاثة أسئلة:
أين أنا الآن؟
أين أريد أن أصل؟
وما الخطوات التي يجب أن أبدأ بها اليوم؟
عندما تتحول الإجابات إلى خطوات واضحة، يتحول الحلم تدريجيًا إلى مشروع قابل للتحقيق.
لا تستسلم للحواجز
كان عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف صورة قوية لتجاوز حاجز بدا شديد الصعوبة.
وفي حياة كل واحد منا «خط بارليف» خاص به.
قد يكون الخوف من الفشل، أو ضعف الثقة بالنفس، أو ظروفًا اقتصادية صعبة، أو تجربة سابقة مؤلمة، أو كلمات محبطة سمعناها حتى بدأنا نصدقها.
وهنا علينا أن نتذكر أن بعض الحواجز تبدو مستحيلة فقط لأننا ننظر إليها باعتبارها كتلة واحدة ضخمة.
قسّم المشكلة. حدّد نقاط قوتك. اطلب المساعدة عندما تحتاج إليها. تعلم. تدرب. ثم تحرك.
فالإنجازات الكبيرة كثيرًا ما تبدأ بخطوة صغيرة، لكنها خطوة في الاتجاه الصحيح.
انتصر أولًا على أفكارك السلبية
هناك معارك لا يراها أحد.
معركة الإنسان مع اليأس، ومع الخوف، ومع التسويف، ومع فكرة «لقد فات الأوان»، ومع المقارنة المستمرة بالآخرين.
وأحيانًا يكون أصعب انتصار في حياتك هو أن تستعيد ثقتك بنفسك بعد تجربة قاسية.
الثقة بالنفس لا تعني أن تقول: «لن أفشل».
بل أن تقول: «حتى إذا تعثرت، سأتعلم وأحاول من جديد بطريقة أفضل».
وهذه العقلية هي التي تحول الأزمات من نهايات إلى بدايات.
النصر عمل جماعي
كما يعلمنا أكتوبر أن النجاحات الكبرى لا يصنعها فرد بمفرده.
النجاح يحتاج إلى فريق، وإلى الثقة، وإلى توزيع الأدوار، وإلى أن يعرف كل إنسان مسؤوليته ويؤديها بإتقان.
وهذا الدرس نحتاج إليه في الأسرة والمدرسة ومؤسسات العمل والمجتمع.
فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة الشعارات، وإنما عندما يتحول كل فرد إلى عنصر بناء في موقعه؛ المعلم في فصله، والطبيب في مستشفاه، والعامل في مصنعه، والمهندس في مشروعه، والإعلامي في رسالته، والشاب في دراسته وعمله.
اصنع أكتوبر الخاص بك
في ذكرى النصر، لا تجعل الاحتفال مجرد كلمات وصور وأغانٍ وطنية جميلة.
اجعل المناسبة فرصة لتسأل نفسك:
ما المعركة التي أريد أن أنتصر فيها في حياتي؟
هل تريد التخلص من عادة سلبية؟
هل لديك دراسة توقفت عنها؟
هل هناك مشروع تخشى أن تبدأه؟
هل تحتاج إلى اكتساب مهارة جديدة؟
هل حان الوقت لأن تعيد ترتيب أهدافك؟
حدد معركتك، وضع خطتك، وابدأ.
فالقيمة الحقيقية لدروس التاريخ ليست فقط أن نفتخر بما صنعه السابقون، بل أن نتعلم منهم كيف نصنع مستقبلنا.
وفي ذكرى السادس من أكتوبر، ستظل رسالتنا:
تحية لأبطال قواتنا المسلحة المصرية الذين أثبتوا أن الإرادة حين تجتمع مع العلم والتخطيط والعمل تستطيع أن تغيّر الواقع.
ومعًا نستطيع أن نخوض معارك الحياة بالأمل والعمل والثقة؛ فكل إنسان قادر على صناعة انتصاره عندما يعرف هدفه، ويؤمن بقدرته على التطور، ويواصل الطريق مهما كانت التحديات.
حفظ الله مصر وشعبها، وكل عام ومصر بخير وأمن وسلام. 
د. أحمد محمد عبد الوهاب
استشاري الصحة النفسية والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
مدرب معتمد










