د. أحمد محمد عبد الوهاب يكتب: الصحة النفسية خلف أسوار المدرسة.. مَن يحمي المعلم والطالب من الضغوط؟

في الصباح، يدخل المعلم إلى المدرسة حاملًا حقيبته، وما لا تتسع له الحقيبة من هموم. ويدخل الطالب حاملًا كتبه، وما لا يظهر على غلافها من خوف أو قلق أو أسئلة. وبين الاثنين يقف ولي الأمر، يريد لابنه مستقبلًا أفضل، لكنه قد ينسى، وسط زحام الحياة، أن المستقبل يحتاج إلى تربية بقدر ما يحتاج إلى درجات.
وحين يدق الجرس، لا تبدأ حصة دراسية وحدها؛ تبدأ علاقة إنسانية كاملة، فيها سلطة ومسؤولية، وحدود وحقوق، وحاجة عميقة إلى التقدير. ومن هنا يطل السؤال الذي أصبح حاضرًا في كثير من البيوت والمدارس: مَن يحترم مَن؟
في الذاكرة المصرية، ارتبط المعلم بمكانة كبيرة؛ «الأستاذ» الذي يصمت المجلس قليلًا حين يتكلم، والذي يرى فيه الناس صاحب رسالة. لكن استعادة هذه المكانة تحتاج إلى أكثر من الحنين. تحتاج إلى أن نسأل ماذا نقدم للمعلم كي يؤدي رسالته، وماذا نقدم للطالب كي يشعر أن المدرسة مكان ينتمي إليه.
فالمعلم الذي نطالبه بالصبر كل يوم يحتاج بدوره إلى من يسمعه، وإلى إدارة تسنده، وإلى بيئة تسمح له بأن يشرح ويربي، دون أن يقضي حصته كلها في استعادة الهدوء. والطالب الذي نطالبه بالانضباط يحتاج إلى أن يفهم الحدود، وأن يجد من يطبقها بعدل، وأن يعرف أن خطأه لن يتحول إلى حكم نهائي على شخصيته.
حين ينادي المعلم تلميذه باسمه، ويستمع إليه، ويصحح خطأه دون سخرية، فإنه يقدم درسًا في الأخلاق لا يقل أهمية عن الدرس المكتوب على السبورة. وحين يلتزم الطالب بالكلام اللائق، ويحافظ على حق زملائه في التعلم، ويتقبل التوجيه، فإنه يشارك في صنع الفصل الذي يحتاج إليه الجميع.
لكن الاحترام المتبادل لا يلغي اختلاف المسؤوليات. فالمعلم هو المسؤول عن إدارة الموقف تربويًا، والطالب يتعلم كيف يتحمل نتائج أفعاله. لذلك تكون مسؤولية الكبير أكبر؛ لأنه يملك سلطة أوسع، ولأن طريقته في استخدامها تصبح نموذجًا يراه الصغير ويحفظه.
ومن منظور نفسي وتربوي، يستحق السلوك أن نفهم ما يحيط به قبل أن نحكم عليه. فقد يأتي الطالب إلى الفصل بعد خلاف في البيت، أو ليلة قليلة النوم، أو تجربة تنمر لم يخبر بها أحدًا. وقد يواجه صعوبة في فهم الدرس، فيغطي إحراجه بالمشاغبة. هذه احتمالات تحتاج إلى ملاحظة وسؤال، ولا يصح تحويلها إلى تشخيص سريع.
وفي المقابل، قد يكون المعلم مرهقًا من كثافة الفصول، وتعدد الأعباء، والشعور بأن جهده لا يجد تقديرًا. ومن الظلم أن نطالبه بأن يكون مصدر دعم دائم، ثم نتعامل مع تعبه كأنه تقصير أخلاقي.
فهم الضغوط يساعدنا على اختيار الاستجابة المناسبة، مع بقاء المسؤولية واضحة. الإساءة تحتاج إلى معالجة، والاعتداء يحتاج إلى إجراء، وصعوبة التعلم تحتاج إلى دعم. وكلما ميزنا بين هذه المواقف، أصبح تدخلنا أعدل وأكثر نفعًا.
أما ولي الأمر، فله دور يتجاوز متابعة الواجبات والسؤال عن المجموع. الطفل يسمع في البيت كيف يتحدث أبوه وأمه عن المعلم، ثم يحمل هذه اللغة معه إلى المدرسة. فإذا سمع السخرية تعلم الاستخفاف، وإذا رأى اعتراضًا مهذبًا تعلم أن المطالبة بالحق يمكن أن تتم دون إهانة.
ومن حق الأسرة أن تسأل وتشتكي وتطلب تفسيرًا. ومن واجبها أيضًا أن تستمع إلى الوقائع قبل إصدار الحكم. الدفاع عن الابن لا يعني تبرير كل تصرفاته؛ أحيانًا يكون أصدق دفاع عنه أن نساعده على الاعتراف بخطئه وإصلاحه. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تصبح مكانة المعلم سببًا لتجاهل شكوى طالب أو التساهل مع إهانته.
وهنا تأتي أهمية اللوائح والقوانين. فالمدرسة تحتاج إلى قواعد واضحة، يعرفها الجميع، وإجراءات منصفة تسمح بسماع الأطراف وتوثيق الوقائع، وتحدد المسؤوليات وطرق التظلم. ويحتاج تطبيقها إلى مراعاة عمر الطالب وطبيعة الواقعة وتكرارها، وإلى ربط الإجراء بهدف تربوي مفهوم.
العقوبة التي تنتهي عند الخوف تترك السؤال الأهم بلا إجابة: ماذا تعلم الطالب، وكيف سيصلح ما أفسده؟ لذلك ينبغي أن يصاحب المحاسبة توجيه ومتابعة، وأن يجد المتضرر حماية فعلية، وأن تتاح للمخطئ فرصة مسؤولة لتعديل سلوكه.
إن المدرسة لا تستطيع وحدها إصلاح كل ما تفسده الحياة خارج أسوارها، لكنها تستطيع أن تقدم نموذجًا مختلفًا: خلافًا بلا تجريح، وسلطة بلا إذلال، ومحاسبة بلا تشفٍّ. ويستطيع البيت أن يدعم هذا النموذج حين يجعل الأخلاق عادة يومية، لا نصيحة تُقال عند ظهور المشكلة.
وحين نسأل: «مَن يحترم مَن؟»، فالإجابة تبدأ من مسؤولية كل طرف: المعلم يصون كرامة الطالب ويقوده، والطالب يحترم معلمه وزملاءه، والأسرة تساند التربية وتطالب بالعدل، والإدارة تحمي الجميع وتطبق القواعد بإنصاف.
عندها يصبح جرس المدرسة دعوة إلى التعلم، ويجد المعلم مساحة لأداء رسالته، ويجد الطالب فرصة ليكبر وهو يعرف أن له حقوقًا، وأن عليه واجبات، وأن كرامته تكتمل باحترام كرامة الآخرين.









