تجمّدت "لمياء" عند عتبة الباب، يدها متصلبة على المقبض الحديدي البارد، وعيناها تتلقفان كلمات صغيرها "ياسين" التي ارتدت في ردهة البيت كحكمٍ قاسٍ "أمي... لماذا لا تدعين أبي يخرج للعمل ويجلب لنا المال؟ ابقي أنتِ معنا في البيت، أنا لا أراكِ أبداً يا أمي!"
لم يكن وقع الكلمات هو ما اخترق صمت المكان، بل تلك السخرية اللاذعة التي قذفها شقيقه الأكبر، وهو يحدق في شاشة هاتفه غير آبه "لا يا غبي... أمي هي من تعمل، وأبي يكتفي بمشاهدة التلفاز... هذا هو قانون بيتنا الذي لم تفهمه بعد."
في تلك اللحظة، دارت الدنيا برأس لمياء، وابتلع الرواق الضيق جدرانه، ليعيدها شريط العمر إلى تلك النقطة البعيدة التي أطلقت عليها الأقدار اسم "الحب". تذكرت بدايتهما؛ حين كان زواجهما رهانًا جسوراً على الغد. هي المحاسبة التي تضبط فوضى الدنيا بلغة الأرقام الصارمة، وهو الشاب الذي يحمل شهادته في يد، وشاكوش النجارة في الأخرى، واعدًا إياها بأن ينحت من خشب الأيام مستقبلاً يليق بهما. كانت الأيام في بدايتها كشهدٍ مصفى، لكن عمارة البيوت تطلب ما هو أكثر من الوعود والأحلام.
بمرارةٍ لاذعة، استرجعت لحظة انكسار سوق العمل، وكيف أُغلقت ورشته الصغيرة ومعها آمالهما العريضة. رأت في خيالها صورة "خالد" وهو يعود في تلك الليالي ويداه نظيفتان بشكلٍ جارح، خاليتان من رائحة الخشب وغبار العمل، وعيناه ممتلئتان بغبار الخيبة. يومها، وبدافع الحب والحرص، قررت لمياء أن تكون هي "الوتد". كانت تخرج في الصباح الباكر، وتعود لتقضي ليلها غارقة في دفاتر الحسابات الإضافية، بينما كان هو يغرق ببطء في عتمة الاستسلام، يراقب المارة من نافذة خموله، ويهرب من انكساره خلف شاشة لا تنطق إلا بالصخب.
تردد في أذنيها الآن صدى تحذيرٍ قديم سمعته ذات مرة من إحدى صديقاتها : "الرجل الذي تحمله كفّاكِ طويلاً، سينسى كيف يقف على قدميه، ومن يتعود النوم في الظل... يخشى السير تحت الشمس". لكن كبرياءها الأنثوي كان يمنعها؛ كانت تخاف على كرامته "المثقوبة" من نسمة الهواء. كانت تضع المال في جيبه خفية، وتوهمه بأن "الرزق واسع"، تطحن روحها لتشتري له صمته وراحته. واليوم، وهي تقف خلف الباب، أدركت أن الوتد حين يحمل الخيمة وحده... لابد أن يميل، ويميل معه كل من تحتها.
أفاقها من ذكرياتها صوت خالد القادم من الغرفة المجاورة، يطالب "بهاتف جديد" ببرودٍ مرعب، متجاهلاً أن حذاء ابنه الصغير قد تآكلت نعاله. انخلع قلبها وهي تقارن بين "خالد الحلم"، ذاك الشاب الطموح الذي وعدها بنحت المستحيل، و"خالد المستسلم" الذي لا يرى غير رغباته العاطلة المتضخمة.
التفتت إليه، ونطقت بكلماتٍ حادة وقاطعة كالشاكوش الذي هجره منذ سنوات:
خالد... هل تسمعني؟ اليد الواحدة لا تصفق. وأنا يدي تيبست من حمل هذا البيت وحدي.
وما الذي جرى الآن؟ هل أنستكِ نقود شغلكِ أصول الأدب يا لمياء؟ هذا أسلوب تتحدثين به معي؟
أصول الأدب؟ أصول الأدب أن أرى أبنائي يكبرون وهم يرون أباهم أسيراً لشاشة، بينما أمهم تطحن نفسها لتسد جوعهم وتستر عوزهم! هل هذا هو المثال الذي أريده لهم؟
وماذا تريدين مني يا "المُعيلة العظيمة"؟ هل تريدين مني أن أطرق الأبواب كمتسول؟ ألا تتذكرين كيف أُغلقت الورشة؟ كيف تلاشى كل شيء؟ أنا لا أرى أملاً!
الأمل لا يأتي جالساً على الأريكة يا خالد! الأمل يُصنع! عد لورشتك، اصنع أي شيء، ولو مجرد كراسي للجيران، كراسي خشبية بسيطة... المهم أن تعود يداك للعمل! أن تعود "أنت" لحياتك!
كراسي للجيران؟ هل هذا هو طموحكِ لي؟ أن أتحول إلى نجار "حيّ" بعدما كنت أحلم بمصنع للأثاث؟ أهذا ما تريدين؟ أن أكون "رجلاً صغيراً" في عينيكِ؟
لا يا خالد! أنا أريدك أن تكون "رجلاً" في عيني أبنائك! لا أريد أن يرى ابنك الصغير أباهم مجرد متفرج على الحياة، بينما كفّاه فارغتان! لقد تآكلت نعال حذاء ياسين، وأنت تطالب بهاتف جديد! أين خالد الذي أحببته؟ أين الذي وعدني بنحت المستحيل؟
أنتِ تلومينني؟ أنا من خسر كل شيء! أنا من فقد كرامته وشموخه! وأنتِ... أنتِ تذكرينني بفشلي كل يوم بنظراتكِ وعملكِ المستمر!
لا ألومك على ما حدث، بل ألومك على ما أنت عليه الآن! ألومك على استسلامك الذي كسر قلبي قبل أن يكسر عزيمتك! لقد كنتُ الوتد الذي يحمل الخيمة وحدها، ولقد تعبتُ يا خالد. الوتد الذي يحمل كل شيء وحده لابد أن يميل.
لم تغادر لمياء البيت في ذلك اليوم. أغلقت الباب بهدوء، ووضعت حقيبة عملها جانباً على الأرض، وخلعت ثوب "المعيلة الصامتة" الذي أثقل كاهلها لسنوات طويلة، لتلبس ثوب "المواجهة" الحتمية.
نظرت إلى باب الورشة الموصد خلف البيت، ثم شطرت زوجها بنظرةٍ حاسمة، وقالت بصوتٍ هادئ يسبق العاصفة، صوت لا يحمل ذرة تردد"الدفاتر التي أطعمت هذا البيت لسنوات... أُغلقت اليوم يا خالد. ومنذ هذه اللحظة، إما أن نفتح باب الورشة معاً... أو نترك السقف ينهار على الجميع. اختر أنت مصيرنا.










