سجناء في سراح مؤقت -بقلم /ذ.فاتحة أحمد يشو

نحن سجناء في سراح مؤقت»... هكذا أجاب الصحفي أبو بكر الجامعي، رحمه الله، حين سئل عن الحرية. عبارة قصيرة، لكنها تفتح القوس مشرعا على معنى الحرية وحدودها، وعلى ذلك التناقض الغريب الذي يجعل الإنسان يهتف بالحرية، بينما يحمل في داخله سجنا من القيود غير المرئية.
نواسي أنفسنا بكلمة «حرية»، ونهتف بها في المناسبات، ونرفعها شعارا في الكتابة والخطاب والمرافعة، لكن السؤال الذي يظل يطاردنا: هل نحن فعلا أحرار؟
فالحرية ليست مجرد قدرة على الكلام ولا مجرد حق في الكتابة ولا مساحة قانونية نتحرك على ركحها. الحرية قبل كل شيء، هي القدرة على التفكير دون خوف وعلى مساءلة ما اعتدناه، وعلى الاقتراب من المناطق والحدود التي ظل المجتمع يعتبرها من المسكوت عنه. لكنها ناقصة حين نعجز عن التعبير عنها بأريحية، أو حين نكتب وفي داخلنا رقيب أشد قسوة من أي رقيب خارجي.
يقول جان بول سارتر: «الإنسان محكوم عليه بأن يكون حرا». غير أن هذه الحرية التي تبدو في ظاهرها تحررا، تتحول إلى عبء حين يكتشف الإنسان أنه لا يستطيع أن يكون حرا تماما إلا إذا امتلك شجاعة مواجهة اختياراته، ومساءلة القيود التي صنعها المجتمع والثقافة والخوف.
وهنا يحضرني سؤال آخر أكثر قلقا:إلى أي حد نستطيع أن نتحرر من الذاكرة الثقافية وما راكمه الوعي الجمعي عبر الأجيال؟ كيف نكتب بحرية، ونحن نحمل في داخلنا سلطة ما تعلمناه وما ورثناه، وما اعتدناه وما أصبح بالنسبة إلينا من الثوابت التي يصعب الاقتراب منها، سواء تعلق الأمر بالعقيدة أو السياسة أو الأعراف والتقاليد؟
إن أخطر السجون ليست تلك التي لها قضبان، وإنما تلك التي لا نراها. سجن الفكرة الجاهزة، وسجن الخوف من المجتمع، وسجن نظرة الآخر وسجن «ماذا سيقولون؟». وقد يكون الإنسان طليقا في الشارع، لكنه أسير وعيه؛ يتحدث كثيرا، لكنه لا يقول كل ما يريد، ويكتب كثيرا، لكنه يحذف قبل أن يضع النقطة الأخيرة، ليس لأن الرقيب أمامه، بل لأن الرقيب استقر في أناه.
وهنا تكتسب مقولة ميشيل فوكو معناها العميق: «حيث توجد السلطة توجد المقاومة». فالسلطة ليست دائما مؤسسة أو قانونا أو شخصا يمارس مسؤوليته قد تكون أيضا منظومة من القيم والتصورات والضغوط الاجتماعية التي تجعل الإنسان يمارس الرقابة على نفسه دون أن يطلب منه أحد ذلك صراحة.
ولعل السؤال الذي يلح علي وأنا أدندن حول الحرية هو: هل هناك حرية فعلا، أم أننا نصنع لأنفسنا وهما جميلا اسمه الحرية؟
هل نحن أحرار حين نعبر، إذا كنا نختار كلماتنا خوفا من ردود الأفعال؟ وهل نحن أحرار حين نكتب، إذا كنا نضع لأنفسنا حدودا قبل أن يضعها لنا الآخرون؟ وهل نحن أحرار حين نترافع عن قضية، إذا كنا نعرف مسبقا أن هناك أسئلة لا ينبغي طرحها، وأفكارا لا ينبغي الاقتراب منها؟
ربما لا تكون المشكلة في غياب الحرية تماما، وإنما في نسبية المساحة التي نملكها . فالحرية ليست حالة مكتملة يصل إليها الإنسان مرة واحدة، وإنما معركة مستمرة بين الرغبة في التعبير والخوف من عواقبه، بين ما نريد قوله وما يسمح لنا وعينا الجمعي بأن نقوله.
ولهذا قد تكون الحرية أحيانا أشبه بلعبة جميلة نتسلى بها نرفع شعارها، ونكتب عنها، ونتغنى بها، ثم نكتشف أننا نتحرك داخل حدود لم نرسمها بأنفسنا.
كأن الطفل الذي يتخيل نفسه مقاتلا شرسا، يلوح بمسدس من البلاستيك صنع للعب فقط؛ يركض، ويطلق النار، ويعيش لحظة البطولة كاملة، لكنه في النهاية يعرف، أو سيعرف، أن سلاحه ليس سوى لعبة.
فهل حريتنا كذلك؟
هل نمسك مسدس الحرية البلاستيكي، ونطلق كلمات عشواء في الهواء، ونوهم أنفسنا أننا نقاتل من أجل الحقيقة، بينما نحن في الحقيقة سجناء في سراح مؤقت؟
ربما كان السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نحن أحرار؟
بل: إلى أي حد نملك شجاعة استعمال حريتنا حين تصبح الحرية مكلفة؟
فالحريّة التي لا تكلفنا شيئا قد لا تكون أكثر من شعار، أما الحرية الحقيقية فتبدأ، ربما، عندما نجرؤ على الاقتراب من المسكوت عنه، ونمتلك شجاعة أن نقول ما نؤمن به، مع تحمل مسؤولية ما نقول.
ختاما قد نكتشف أن أصعب سجن ليس ذلك الذي يغلق بابه علينا، بل ذلك الذي نحمل مفتاحه في جيوبنا ولا نجرؤ على استعماله.
فاتحة أحمد يشو.









