هذا الموقع يتطلب تشغيل JavaScript للعمل بشكل صحيح. رجاءً قم بتمكين JavaScript في المتصفح.
الثلاثاء، ٣ مارس ٢٠٢٦ - ١٤ رمضان ١٤٤٧ هـ - ٠٣:٠٨ القاهرة
هيئة التحرير

المدير التنفيذي

أحمد المصري

مدير التحرير

علاء ثابت مسلم

فن وثقافة

بقلم الشاعرة:فاتحة أحمد يشو - الرشيدية

الاستعمار الناعم: حين تُختطف الإرادة وتُستنسخ الهشاشة

img_preview
كتب : خاص احتواء الجمعة، ٢ يناير ٢٠٢٦ في ١١:٣٨
مشاركة :
whatsapp facebook twitter

إلى متى سيظلّ الاستعمار الناعم يعبث بعقول ما يُسمّى بالدول المتخلّفة؟ وإلى أي حدّ نجح الغرب في سلب إرادة العربي، والأمازيغي، والكردي، حتى غدا بعضهم نسخةً مشوّهة من النموذج الغربي، لا يحمل من الحداثة إلا قشورها، ولا من الحرية إلا أوهامها؟

لم يعد الاستعمار في صورته الكلاسيكية، جيوشًا ودبابات وأعلامًا تُنكس، بل صار أكثر خبثًا ونعومة؛ يتسلّل عبر القيم، وأنماط العيش، ومفاهيم الفرح، ومعايير النجاح. استعمار لا يفرض نفسه بالقوة، بل بالإغواء، لا يحتل الأرض بل يحتل الوعي، فيعيد تشكيل الإنسان من الداخل، حتى يفقد بوصلته دون أن يشعر.

مرت أعياد الميلاد، كما تُسمّى في السياق المسيحي، فتحوّلت في مدن عربية وإسلامية إلى مواسم حجّ جماعي للحانات، حيث يتوافد الشيب والشباب، لا بدافع الاحتفال الحقيقي، بل هربًا من ذواتٍ مثقلة بالفراغ. يملؤون أجوافهم بالمشروبات الروحية، ظانّين أنهم يحتفلون، بينما هم في الحقيقة يفرّون؛ يفرّون من أسئلتهم، من هشاشتهم، من واقع لم يمنحهم معنى ولا أفقًا.

هناك، في تلك الأمكنة المعتمة، تتجلّى المأساة في أقسى صورها: ضحك هستيري يجاوره بكاء مكتوم، صراخ يطلب النجاة، وأجساد ترقص رقصة البجع المذبوح، رقصة من يعرف في قرارة نفسه أن الفرح المستعار لا يدوم. تتمايل الخصُور على إيقاع دراهم معدودة، كانوا قبلها زاهدين فيها، فقط ليجمعوا ثمن كأس على موائد لا تعرف الكرامة.

وفي مشهد يكاد يكون استعارةً كبرى للانهيار، تخرج فتيات بملامح عربية من الحانات، يتعثّرن في المشي، فتسقط إحداهن في بركة ماء احتفظ بها شارع مثقوب، كذاك الوعي المثقوب. تعلو ضحكات الصديقات: أضحكٌ هو أم قهقهة زمنٍ يسخر من الجميع؟ زمن يقتات على فراغهم، بينما هم يظنّون أنهم يقتنصون لحظة حياة.

يحملها صديقها على ظهره، مستعرضًا بطولة زائفة أمام الآخرين، فيما تلتقط عيون الفضوليين صورة واحدة فقط: خصر امرأة يترنّح. وكأن الحياة كلّها اختُزلت في اعوجاج خصر، وكأن الجسد صار المعنى الأخير في عالم أُفرغ من القيم. هكذا يتحوّل الجسد إلى سلعة، والمشهد إلى محتوى، والإنسان إلى أداة استهلاك، سواء كان عارضًا أو متفرّجًا.

إن أخطر ما في الاستعمار الناعم أنه لا يفرض علينا الانحلال، بل يجعلنا نطلبه، لا يسلبنا القيم مباشرة، بل يفرغها من معناها، ثم يقدّم لنا بدائل براقة. وهنا لا يعود السؤال أخلاقيًا فقط، بل وجوديًا: ماذا بقي من الإنسان حين يفقد مرجعيته؟ وماذا يبقى من الحرية حين تُختزل في تقليد أعمى؟

ليست القضية في الاحتفال أو الاختلاف الديني، ولا في الفرح كقيمة إنسانية، بل في هذا الفراغ العميق الذي يجعلنا نستعير طقوس غيرنا دون وعي، ونقلّد مظاهرهم دون فهم، ونحسب ذلك تقدّمًا. إن التحرّر الحقيقي لا يكون بالانسلاخ، والحداثة لا تُقاس بعدد الكؤوس ولا بضجيج الليالي، بل بقدرتنا على إنتاج معنى، وبناء ذاتٍ واعية لا تُستنسخ ولا تُستلب.

ذلك هو التحدّي الحقيقي في زمن الاستعمار الناعم: أن نستعيد وعينا قبل أن نصبح مجرّد ظلال، ترقص على أنغام لا تعرف من يعزفها . فاتحة أحمد يشو.

آخر الأخبار
اعلن معنا
Ehtwaa_logo

احتواء نيوز هي منصتكم الأولى التي تجمع بين أخبار العالم , اقتصاد , سياسة , الصحة النفسية، والتربية الخاصة ، واللايف كوتشينغ ، في رؤية متكاملة تعزز نمو الإنسان ورفاهيته على المستويات كافة

اتصل بنا

العنوان : حدائق الأهرام - البوابة الأولي
الهاتف : 01556650744
الايميل : ehtwaanews@gmail.com
إشترك معنا بالنشرة الإخبارية
كن على اتصال معنا

الموقع الجغرافى :

© 2025 احتواء نيوز - EhtwaaNews. جميع الحقوق محفوظة.