807 آلاف زائر في يوم واحد.. معرض القاهرة الدولي للكتاب يحوّل الزحام إلى ظاهرة ثقافية نادرة

في مشهد نادر الحدوث، سجّل معرض القاهرة الدولي للكتاب رقمًا استثنائيًا يعكس جانبًا مختلفًا من الشخصية المصرية، بعدما بلغ عدد زائريه يوم الجمعة 30 يناير 2026 نحو 807 آلاف و245 زائرًا خلال أقل من 12 ساعة، في رقم يقترب من المليون إنسان اجتمعوا في مكان واحد بدافع الثقافة والمعرفة، لا لمباراة كرة قدم ولا لحفل غنائي، بل من أجل الكتاب.
هذا الرقم اللافت لا يمكن قراءته باعتباره مجرد كثافة عددية، بل بوصفه ظاهرة اجتماعية وثقافية تستحق التوقف أمامها. فمقارنة بسعة أكبر ملاعب العالم التي لا تتجاوز 150 ألف متفرج، فإن ما شهده المعرض يعادل خمسة أضعاف تلك السعة في يوم ثقافي واحد، دون تسجيل حوادث تُذكر أو مشكلات أمنية، في مشهد كسر كثيرًا من القواعد المتعارف عليها في سيكولوجية الحشود.
المثير في هذا التجمع البشري الهائل لم يكن العدد فقط، بل التنوع. فقد ضم المعرض أطيافًا مختلفة من المجتمع المصري؛ من مختلف المحافظات والخلفيات الاجتماعية، مسلمين ومسيحيين، شبابًا وكبار سن، أسرًا كاملة وأطفالًا، في حالة انسجام لافتة. ورغم الزحام، غابت مظاهر العنف أو الفوضى، وكأن المكان اكتسب طابعًا خاصًا من الاحترام الجمعي، ليؤكد أن المصري حين يدخل فضاءً ثقافيًا يشعر بقيمته، يتصرف بمنطق مختلف.
ويعيد هذا المشهد طرح سؤال قديم جديد حول مقولة إن «المصريين لا يقرأون». فمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي تأسس عام 1969 على يد ثروت عكاشة والدكتورة سهير القلماوي، بات اليوم واحدًا من أكبر المعارض الجماهيرية في العالم، حيث تجاوز إجمالي عدد زائريه حتى الآن 4.5 مليون زائر، ما يدحض الصورة النمطية عن ضعف العلاقة بين المجتمع المصري والكتاب.
لم يعد المعرض مجرد سوق لبيع الكتب، بل تحوّل إلى مساحة حياة كاملة؛ ناشرون، ندوات فكرية، عروض فنية، موسيقى، أطعمة شعبية، وأنشطة للأطفال، في مزيج جعل الزيارة تجربة اجتماعية وثقافية متكاملة. كثيرون جاءوا للشراء، وآخرون للاطلاع أو التجول، وربما لالتقاط الصور، لكن القاسم المشترك كان البحث عن لحظة انفصال عن ضغوط الحياة اليومية والعودة إلى “اللمة” المصرية الأصيلة.
وفي مشهد مؤثر، تحولت ساحات المعرض وقت صلاة الجمعة إلى صورة مهيبة لمئات الآلاف يؤدون الصلاة في انتظام وسكينة، في لقطة شبّهها كثيرون بمشاهد لا تتكرر إلا في الأماكن المقدسة، مؤكدة أن الثقافة والدين في الوجدان المصري لا يتعارضان، بل يتكاملان.
من الورّاقين في العصور الإسلامية، مرورًا بسور الأزبكية، وصولًا إلى التجمع الخامس في 2026، ظل للمعرفة مكان خاص في قلب المصري، حتى وإن ضاقت به الأحوال. وربما حمل هذا المشهد رسالة بسيطة للعالم: أن هذا الشعب، بكل تناقضاته، لا يزال قادرًا على الاجتماع حول الجمال والمعرفة، وأن في مصر شيئًا جميلًا لا يراه إلا من ينظر بعين القارئ، لا بعين الناقد.









