الصحة النفسية للمتطوع والمستفيد: أساس الاستدامة في العمل التطوعي

كتب: د. أحمد محمد عبد الوهاب
استشاري التربية الخاصة والصحة النفسية
والمستشار الإعلامي لجمعية البحرين للعمل التطوعي
في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه التحديات، يظل العمل التطوعي أحد أعمدة التماسك المجتمعي ومصدرًا حقيقيًا للأمل. غير أن الصورة الكاملة لهذا العطاء لا تكتمل دون الالتفات إلى جانب بالغ الأهمية، وهو الصحة النفسية لكل من المتطوع والمستفيد. فالمتطوع، رغم عطائه، يظل إنسانًا يحمل مشاعر وضغوطًا قد تتراكم بصمت إن لم تجد من يحتويها ويدعمها.
المتطوع في أوقات الأزمات يعيش حالة من التداخل العاطفي بين رغبته في المساعدة وحدود طاقته النفسية. ومع الاستمرار في التعرض لمواقف إنسانية صعبة، قد تظهر عليه مؤشرات الإرهاق العاطفي أو ما يُعرف بالاحتراق النفسي، مثل التعب المستمر، التوتر، ضعف الحافز، أو حتى الشعور بالذنب لعدم القدرة على مساعدة الجميع. هذه الحالة، إن لم يتم التعامل معها بوعي، قد تؤدي إلى انسحاب المتطوع، وخسارة طاقة إنسانية كان يمكن أن تستمر في العطاء.
وفي المقابل، فإن المستفيد من العمل التطوعي لا يحتاج فقط إلى الدعم المادي، بل يحتاج إلى احتواء نفسي حقيقي. فالكثير ممن يمرون بظروف صعبة يعانون من القلق، وفقدان الأمان، وتراجع تقدير الذات. وهنا تظهر أهمية تقديم الدعم النفسي الأولي، القائم على الاستماع دون حكم، والتفهم، وبناء شعور بالأمان، وهو ما يُعد خطوة أساسية في رحلة التعافي.
ومن واقع الخبرة الميدانية، فإن الحفاظ على التوازن النفسي داخل العمل التطوعي يتطلب وعيًا ومهارات، تبدأ من تنظيم وقت المتطوع، وتحديد حدوده، مرورًا بممارسة الرعاية الذاتية، ووصولًا إلى طلب الدعم عند الحاجة دون تردد. فالعطاء المستدام لا يتحقق إلا بإنسان متوازن نفسيًا.
وفي هذا الإطار، تولي جمعية البحرين للعمل التطوعي اهتمامًا متزايدًا بتأهيل المتطوعين نفسيًا ومهنيًا، إيمانًا بأن جودة العطاء تبدأ من جودة إعداد المتطوع. حيث تعمل الجمعية على تقديم برامج متخصصة تشمل الدعم النفسي للمتطوعين، من خلال جلسات إرشادية وورش عمل تهدف إلى تعزيز مهارات التكيف وإدارة الضغوط، إلى جانب توفير مساحات آمنة للتعبير والمشاركة.
كما تحرص الجمعية على رفع كفاءة المتطوعين مهنيًا من خلال تدريبهم على إدارة الأزمات، بما في ذلك برامج متقدمة مثل “الرخصة الدولية لإدارة الأزمات”، والتي تمنح المتطوع أدوات عملية للتعامل مع المواقف الطارئة بكفاءة ووعي، سواء على المستوى النفسي أو الميداني. هذا بالإضافة إلى دورات في الإسعاف النفسي الأولي، ومهارات التواصل الإنساني، والتدخل في الأزمات المجتمعية.
إن دمج التأهيل النفسي مع التدريب المهني لا يعزز فقط من كفاءة المتطوع، بل يحميه أيضًا من الاستنزاف، ويمنحه القدرة على الاستمرار في أداء رسالته بثبات واتزان.
وفي الختام، تظل الصحة النفسية حجر الأساس في أي عمل إنساني ناجح. فالمتطوع الذي يشعر بالدعم والاحتواء هو الأكثر قدرة على العطاء، والمجتمع الذي يعي هذه الحقيقة هو مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة.
فلنحرص جميعًا على أن يكون عطاؤنا واعيًا… وأن نحمي أنفسنا ونحن نحمي الآخرين.









