الدولة تعيد رسم حدود الفضاء الرقمي لحماية الأطفال والقيم المجتمعية

في خطوة تعكس تصاعد القلق المؤسسي من تداعيات الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا، شاركت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، في أولى جلسات الاستماع التي عقدتها لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، برئاسة النائب أحمد بدوي، ضمن مسار تشريعي جديد يستهدف تنظيم استخدام الأطفال لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، وحمايتهم من المخاطر المتنامية للفضاء الرقمي.
الجلسة، التي جاءت في سياق توجيه رئاسي واضح من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، شهدت حضورًا وزاريًا وبرلمانيًا رفيع المستوى، بمشاركة وزراء الاتصالات، والتربية والتعليم، وممثلي الجهات المعنية بالطفولة، إلى جانب رؤساء هيئات برلمانية، وممثلي منصات دولية، في مشهد يعكس إدراك الدولة لحساسية الملف وتشابك أبعاده.
وأكدت وزيرة التضامن الاجتماعي أن هذا التحرك ليس وليد اللحظة، بل ثمرة نقاشات ممتدة منذ سنوات، انطلقت مع إدراك الدولة لخطورة الفضاء الرقمي غير الآمن، ليس فقط على الأطفال، بل على بنية القيم المجتمعية ذاتها، مشددة على أن حماية النشء باتت أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
وأشادت الوزيرة بالدور التوعوي للإعلام، مثمنة إنتاج مسلسل «لعبة وقلبت بجد»، الذي أعاد تسليط الضوء على المخاطر الخفية للألعاب الإلكترونية، وعلى رأسها لعبة «روبلوكس»، باعتبارها نموذجًا لتحديات رقمية تتجاوز الترفيه إلى التأثير النفسي والسلوكي.
وفي مقاربة مقارنة، أوضحت الدكتورة مايا مرسي أن العديد من الدول اتجهت إلى تحميل الشركات الرقمية مسؤولية قانونية مباشرة، عبر تشريعات صارمة تعتمد مبدأ “الأمان بحكم التصميم”، وتفرض عقوبات وغرامات قد تصل إلى حد إخراج الشركات غير الملتزمة من الأسواق الوطنية.
واستعرضت الوزيرة أرقامًا ودراسات مقلقة، تشير إلى تراجع متوسط تركيز الأطفال عالميًا إلى نحو 8 ثوانٍ، وارتفاع معدلات استخدام الإنترنت بين الأطفال الصغار، فضلًا عن تزايد تواصلهم مع غرباء، وهو ما ينعكس سلبًا على التعليم والصحة النفسية.
وأكدت أن مصر تمتلك الأدوات القانونية والمؤسسية لتطبيق تشريع صارم وفعال، داعية إلى إلزام شركات الألعاب والمنصات الرقمية بوجود ممثلين قانونيين داخل الدولة، وتصنيف المحتوى وفق الفئات العمرية، وتوفير أدوات رقابة أبوية واضحة، تشمل التحكم في الحسابات، والإنفاق الرقمي، ومدة الاستخدام.
كما شددت على ضرورة إلزام منصات التواصل الاجتماعي بتقديم تقارير دورية حول سياسات حذف المحتوى وحظر الوصول، ومنع الإعلانات المضللة، والألعاب الرقمية الضارة، وألعاب المقامرة الإلكترونية، إلى جانب إجراء تقييمات مخاطر منتظمة.
وفي إشارة لخطورة الظاهرة، كشفت الوزيرة أن مراكز «العزيمة» التابعة لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان تستقبل حالات تعاني من الإدمان الإلكتروني، ما يؤكد أن الخطر لم يعد افتراضيًا، بل واقعًا اجتماعيًا يستدعي التدخل.
واختتمت وزيرة التضامن الاجتماعي بالتأكيد على ضرورة فرض غرامات مالية على الشركات العالمية المخالفة، على أن تُوجَّه حصيلتها لدعم قطاعات التعليم والصحة، في إطار معادلة توازن بين التطور التكنولوجي وحماية المجتمع.









