قصة بعنوان
ظلّ الغياب: حكاية الصمت والأقنعة

في صباح رمادي قاتم، خيم الضباب على قرية جبلية نائية، وكان الصمت يثقل الأزقة كما لو أن العالم كله محاصر بالخوف. بعد أن تسلل خبر اختفاء سلمى كالصاعقة .
سلمى فتاة جميلة تنضح انوثة وحيوية في أوائل الثلاثينيات من عمرها ،كانت السند الوحيد لوالدها المسن ،الذي أثقله الزمن وأنهك جسده النحيل. كانت قلبه وروحه، ابتسامتها تضيء المنزل الصغير،وتضفي عليه بهاء ونورا ،وحيويتها تعبر عن صبر لا يعرف الكلل.
ظلّ الأب يتنقل بين الطرق والحقول المهجورة، يحمل صورها بين يديه، يطرق أبواب البيوت، يسأل عنها عساه يعثر عن أثر لها. هاتفها صامت، وطال غيابها،جن جنون الأب المكلوم ؛ كل مساء، كان يسأل الفراغ: أين ذهبت يا ابنتي؟، وصدى السؤال يعود إليه بصمت قاتل، يثقل صدره أكثر فأكثر.
تضاربت الشائعات: بعضهم قال إنها هربت، وبعضهم رجح حادثا عرضيا، لكن الحقيقة كانت أعمق وأظلم مما تخيل أحد.
بدأت التحقيقات، ودخل المحققون بيت سلمى. فتحت
الأدراج المخفية، وظهر ما لم يكن أحد يتوقعه: إيصالات مالية متكررة بمبالغ محترمة،هاتف جديد لم يستعمل بعد، وهدايا ثمينة..
قاد البحث إلى رجل نافذ في القرية، متزوج، له أبناء، يضرب به المثل في الاستقامة ودماثة الخلق أمام الجميع… لكنه كان يحمل وجها آخر، مظلما، بلا رحمة، ،بلا ضمير.كان بارعا في تغيير الاقنعة.
الأدلة كشفت علاقة محرمة منذ سنوات بين الرجل النافذ وسلمى، الفتاة البسيطة الهشة، التي التهمها وهي طرية العود، سقطت فريسة بيد الوحش الكاسر حيث لم تقو على صده لانها كانت طفلة ضعيفة آنذاك،فاشترى صمتها بمتاع الدنيا الفاني ...
مع مرور الوقت ونضج سلمى ، تغيّر كل شيء. لم تعد تطيق الصمت، ولم تعد تخشى المطالبة بحقها. طالبت بالاعتراف بعلاقتهما والوضوح، مما حول الخوف إلى وحشية، والطمع إلى جريمة مدبرة.
أوهمها الرجل بلقاء لإصلاح الأمور، وصدقت الوعد. لكنها حملت معها قلبها المليء بالأمل الأخير… الذي لم يكن ليصل إلى بر الأمان.
المكان كان معزولا والليل يبتلع كل شيء. هناك، انكشف القناع. لحظة واحدة خمد صوتها وابتلعها الظلام، وظن
الجاني أن سره ابتلع هو الاخر.
عاد الرجل إلى حياته اليومية، وابتسم أمام الجميع، وواسى الأب المكلوم مؤكدا له أن الحقيقة ستظهر يوما ما. لكن الأب لم يهدأ له أوار. كان يستشعر غيابها كل ليلة في كل زاوية من المنزل، يسمع صدى خطواتها في الظلام، يلمس خيوط حضورها بين الجدران، وكل شيء أصبح يصرخ في قلبه، حتى الصور في يديه لم تعد كافية.
القرية بدأت تتحدث عن اختفائها، وحكاية سلمى تتحول إلى لغز مرعب. لم يهتد احد الى مكانها، ولم يُعرف مصيرها، وكل ما تبقّى هو فراغ كبير يملأ القلوب بالخوف والشك، ملامح ساكنة القرية تحمل سؤالا واحدا: هل ما زالت سلمى حية… أم أن الظلام ابتلعها إلى الأبد؟
الأب متكئ على ما تبقى من سنوات عمره أمام البيت الفارغ، ينظر إلى الأزقة الضبابية، وكأنه ينتظر معجزة.عودة سلمى… هل تسمع صوته في الظلام؟ هل تبحث عنه كما يبحث عنها؟
الجلاد… هل سيحاسب؟ أم سيظل قناعه الطاهر يخدع الجميع؟
الصمت يملأ المكان، والظل يبتلع كل شيء… حتى
الحقيقة نفسها.والتي مهما طال اختفاؤها ستخرج من براثن الظلام والظلم قد يختبئ وراء الأ قنعة لكنه لا
يختفي أبدا.
فاتحة أحمد يشو
المغرب









