حين خانها الضوء! بقلم ا.فاتحة أحمد يشو الرشيدية

لم تكن ليلى تعرف أن الحياة التي تلمع أكثر من اللازم، تُخفي في زواياها ظلالا قاتمة.
كانت تسكن بيتًا واسعًا تحرسه الأشجار، وتخدمه الأيادي الصامتة، وتتدلّى في أروقته رفاهيةٌ لا يُسمع لها صوت. تزوجت باكرًا من سالم الوقور، رجل أعمال ناجح، يكبرها سنًا، لكنه منحها الأمان والمكانة. أنجبا ولدين، وبدت حياتها ـ في عيون الناس ـ مثالًا يُغبط.
غير أن الفراغ لا يُرى بالعين، بل يُحَسّ بالقلب.
في صباحٍ عابر، وعلى تقاطع طرق مزدحم، اصطدمت سيارتها بسيارة أخرى. نزل السائق الآخر مبتسمًا، أنيقًا، واثق الخطوة، قدّم نفسه باسم نديم. لم يكن الحادث سوى ذريعة، ولم تكن الابتسامة سوى بابا. تصالحا سريعًا، وتبادلا الأحاديث، ثم الأرقام.
كان نديم يحسن الكلام كما يحسن ارتداء الأقنعة. حدثها عن مزارع خضراء، وعن أرباح تتكاثر كالحلم، وعن وحدةٍ بعد طلاقٍ قديم. كانت ليلى تصغي، لا لأنها صدّقته، بل لأنها أرادت أن تصدّق نفسها من جديد.
تسللت العلاقة من حديثٍ إلى لقاء، ومن لقاءٍ إلى خطيئة، حتى صار الكذب ضرورة يومية. اقترحت ليلى أن تُدخله بيتها بصفة “قريب بعيد”، فالغفلة حين تُلبس ثوب العائلة تصبح أكثر إقناعًا. رحّب سالم بنديم، وأُعجب بحيويته، وفتنه حديثه عن الاستثمار والأرض والذهب الأخضر.
قادهم نديم إلى حقول ليست له، وأصدر أوامر ليست من حقه، وتحدث عن أرباحٍ لا يعرف طريقها. فُتحت خزائن الثقة، ودخل المال بلا أوراق، بلا شهود، بلا أسئلة. لم يكن الطمع وحده هو الفاعل، بل وهم الاطمئنان.
ثم… اختفى.
صار الهاتف صامتًا، والوعود مؤجلة، والحقيقة ثقيلة. بدأت ليلى تبحث،فوجدت أن كل شيء كان مستعارًا: الأرض، والنجاح، وحتى الاسم. حاولت تهديده، فهددها أكثر. وحين ضاقت الدائرة، فعل ما لا يُغتفر.
وصل سالم مقطعٌ مصوّر، قصير كطعنة، كافٍ لهدم بيت. لم يصرخ، لم يكسر شيئًا، فقط جلس طويلًا، ثم حمل الحقيقة إلى القضاء. هناك، سقطت الأقنعة دفعة واحدة.
أُدين نديم بسنوات طويلة خلف القضبان، بعد أن تبيّن أنه صيّاد ثقةٍ محترف. أما ليلى فخرجت من المحكمة بلا بيت، بلا اسم، بلا سند. خسرت الزوج، والأبناء، والمرآة التي كانت تعرفها.
لم يحتمل عقلها ثقل السقوط. تكسّر الداخل، وضاعت الحدود بين الأمس واليوم. شوهدت لاحقًا تمشي في الشوارع، تكلّم نفسها، تضحك أحيانًا، وتبكي كثيرًا. لم يعد أحد يعرفها، ولا هي عرفت نفسها.
ليس لأن الشر انتصر،
بل لأن الضوء حين يُخان،
يترك صاحبه في عتمة لا تشبه الليل…
بل تشبه الضياع.









