د. أحمد محمد عبد الوهاب يكتب: لا تنتظر الانهيار.. صحتك النفسية تستحق الوقاية

بقلم: د. أحمد محمد عبد الوهاب
ننتبه إلى الهاتف حين توشك بطاريته على النفاد، وإلى السيارة حين تضيء إشارة التحذير، لكننا كثيرًا ما نتجاهل أنفسنا حين يستنزفها التعب. نواصل العمل، ونبتلع الضيق، ونؤجل الراحة، ونردد العبارة التي اعتدنا الاختباء خلفها: «معلش.. هتعدّي». وقد تمر الأيام فعلًا، بينما يظل داخلنا شيء يحتاج إلى الإصغاء.
من هنا تكتسب عبارة «الوقاية خير من العلاج» معناها في الصحة النفسية. أن نتعلم الانتباه إلى احتياجاتنا، وأن نجعل الرعاية جزءًا من حياتنا اليومية، وأن نهيئ لأبنائنا بيئة يستطيعون فيها التعبير عن الخوف والحزن دون سخرية أو عقاب.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تعزيز الصحة النفسية يرتبط بعوامل تشمل العلاقات الداعمة، والبيئات الآمنة، والتعليم والعمل اللائقين؛ ما يجعل الوقاية مسؤولية مشتركة بين الفرد والأسرة والمدرسة والمجتمع.
تبدأ هذه المسؤولية من البيت؛ من طريقة استقبالنا لخطأ الطفل، ومن الكلمات التي نستخدمها حين يغضب، ومن قدرتنا على الاستماع قبل إصدار الحكم. فالطفل يحتاج إلى حدود واضحة وتوجيه ثابت، ويحتاج أيضًا إلى أن يعرف أن كرامته محفوظة، وأن محبة أسرته لا تتوقف على درجة امتحان أو نتيجة مقارنة بأخيه.
وفي المدرسة، يمكن أن تبدأ الرعاية بسؤال بسيط: «ما الذي يزعجك؟». سؤال يفتح باب الفهم أمام طالب تغيّر سلوكه أو تراجع أداؤه. ويستحق المعلم بدوره بيئة تحترم جهده، وتمنحه الدعم والوقت والأدوات اللازمة للعمل؛ فكيف نطلب منه احتواء الجميع بينما لا يجد من يصغي إلى ضغوطه؟
أما في حياتنا الشخصية، فنحتاج إلى مراجعة ما أصبحنا نعدّه طبيعيًا: أيام بلا راحة، وعلاقات تستنزفنا، وشاشات ترافقنا حتى آخر لحظة قبل النوم. ولعل البداية تكون في تخصيص وقت للراحة، وتنظيم الالتزامات، وإفساح مساحة للحركة ولحديث صادق مع شخص نثق به. هذه تفاصيل تستحق مكانًا في جدولنا، مثلها مثل العمل والمواعيد.
وللشاشات نصيب من هذه المراجعة. حين نقضي ساعات نتأمل نجاحات الآخرين وصورهم المنتقاة، يسهل أن نحاكم حياتنا كاملة بمشهد صغير من حياتهم. لذلك من المفيد أن نسأل أنفسنا: ماذا يترك هذا المحتوى في داخلي؟ وما المساحة التي أريد أن أمنحها له؟
ومع ذلك، لا تعني الوقاية أن الإنسان يستطيع منع كل اضطراب نفسي، ولا أن من يحتاج إلى العلاج قصّر في رعاية نفسه. فالصحة النفسية تتأثر بعوامل متداخلة، وقد يواجه الإنسان صعوبات رغم وجود الدعم والاهتمام. ويظل طلب المساعدة المتخصصة خطوة جديرة بالاحترام، يستحق صاحبها التشجيع.
نحتاج إلى ثقافة تجعل السؤال عن الحال النفسي مألوفًا، وتحفظ خصوصية من يتحدث عن ألمه، وتمنح الناس فرصة للراحة دون أن يُتهموا بالكسل. ثقافة يتعلم فيها الأب أن يسمع، والمعلم أن يلاحظ، والمسؤول أن يراجع ظروف العمل، وكل إنسان أن يعامل نفسه بشيء من الرحمة.
الوقاية خير من العلاج، وأول أبوابها أن نتوقف قليلًا، ونسأل أنفسنا بصدق: كيف نحن اليوم؟ ثم نمنح الإجابة ما تستحقه من اهتمام.









