البيت المصري تحت الضغط.. هل أصبح الأب والأم مجرد ماكينة لتوفير الفلوس، وضاع الأبناء في الزحمة؟

بقلم: د. أحمد محمد عبد الوهاب
استشاري الصحة النفسية والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
في بيوت مصرية كتير، الأب بيخرج من الصبح ويرجع آخر الليل، والأم شايلة مسؤوليات البيت والشغل وتربية الأولاد، وكل واحد بيحاول يوفر حياة كريمة لأسرته.
لكن وسط دوامة المصاريف والدروس والالتزامات، فيه سؤال مهم محدش بيقف عنده:
مين فاضي يسمع ولادنا؟ ومين فاضي يسمع الأب والأم نفسهم؟
بقينا أحيانًا بنوفر للطفل الموبايل والإنترنت والدروس والملابس، لكن مش دايمًا بنقدر نوفر له الوقت والاحتواء والحوار.
ومن واقع تخصصي في الصحة النفسية والإرشاد الأسري، أؤكد أن الضغوط الاقتصادية ليست وحدها المشكلة، بل إن طريقة تعامل الأسرة مع هذه الضغوط قد تكون أكثر تأثيرًا على الصحة النفسية للأبناء.
فالطفل الذي يعيش وسط الصراخ والخلافات المستمرة قد يشعر بالخوف أو القلق، حتى لو كان والداه يبذلان كل ما يستطيعان لإسعاده.
والأب الذي يعمل طوال اليوم يحتاج إلى التقدير والراحة، كما تحتاج الأم إلى المساندة، لا إلى تحميلها مسؤولية التربية وحدها.
الأب مش ماكينة فلوس، والأم مش آلة تتحمل كل حاجة، والأبناء مش مجرد درجات في امتحانات.
من وجهة نظري النفسية.. أين الحل؟
أولًا: أعيدوا الحوار إلى البيت.
خصصوا وقتًا يوميًا للاستماع إلى الأبناء، بعيدًا عن الأوامر والانتقادات والأسئلة المتعلقة بالدراسة فقط.
ثانيًا: لا تجعلوا الأطفال يدفعون ثمن الضغوط.
من الطبيعي أن يشعر الأب والأم بالتعب، لكن يجب ألا يتحول هذا التعب إلى صراخ أو إهانة أو عقاب قاسٍ.
ثالثًا: اهتموا بالصحة النفسية للوالدين.
الأب والأم يحتاجان إلى الدعم والراحة وتقاسم المسؤوليات. فالاستقرار النفسي للأسرة مسؤولية مشتركة.
رابعًا: توقفوا عن المقارنة بين الأبناء.
لا تقيسوا نجاح الطفل بدرجاته فقط، بل بقدرته على التعلم والتواصل والثقة بنفسه واكتساب المهارات.
خامسًا: اجعلوا البيت مصدر أمان لا مصدر خوف.
ضعوا قواعد تربوية واضحة، وشجعوا السلوك الإيجابي، واسمحوا للأبناء بالتعبير عن مشاعرهم دون سخرية أو تهديد.
سادسًا: اطلبوا المساعدة النفسية عند الحاجة.
إذا استمرت الخلافات أو ظهرت على الأبناء تغيرات نفسية وسلوكية مؤثرة، فالتدخل المبكر من متخصص قد يساعد الأسرة على استعادة التوازن.
رسالتي إلى الأسرة المصرية
لا أطالب الأب بأن يتوقف عن السعي وراء الرزق، ولا الأم بأن تتخلى عن مسؤولياتها، لكنني أدعو كل أسرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
فليس النجاح أن نوفر لأبنائنا كل شيء مادي، ثم نكتشف أننا لم نوفر لهم الشعور بالأمان والاحتواء.
تذكروا أن الطفل قد ينسى اللعبة التي اشتريتموها له، لكنه قد يتذكر طويلًا حضنًا احتاج إليه، أو كلمة طيبة أعادت إليه ثقته بنفسه.
والسؤال الذي أطرحه للنقاش
هل الظروف الاقتصادية وضغوط الحياة هي السبب الرئيسي في تراجع الحوار الأسري داخل البيت المصري؟ أم أن المشكلة الحقيقية في أساليب التربية وتغير أولويات الأسرة؟
وهل المال وحده يصنع أسرة مستقرة، أم أن الاحتواء النفسي والاحترام المتبادل هما الأساس؟
أنتظر آراءكم، فهذه القضية تستحق أن نناقشها بوعي ومسؤولية.
د. أحمد محمد عبد الوهاب
استشاري الصحة النفسية والتربية الخاصة والإرشاد الأسري









