د. أمنية تكتب :هل اعتدنا الجريمة أم أن الجريمة تعتادنا؟

لماذا أصبحت السوشيال ميديا جريدةَ أخبار الحوادث؟
في السابق كانت هناك جريدة تُدعى «أخبار الحوادث»، وكانت معروفة، لكن الناس كانوا يشترونها مرة أسبوعيًا فقط. كانت تعرض الجرائم والحوادث وتبرز الوجه القاسي للمجتمع، ولكنها كانت جزءًا صغيرًا من أسبوعك؛ يمكنك شراؤها أو تجاهلها.
أما اليوم فنحن نعيش أخبار الحوادث باستمرار. عندما تفتح فيسبوك أو تيك توك أو إنستجرام، تجد جريمة قتل، أو حادثًا مروعًا، أو فيديو دماء، أو صراخًا، أو تفاصيل قاسية، أو انتحارات، إضافةً إلى تحليلات وفتاوى من آلاف الأشخاص، وكأن السوشيال ميديا تحولت إلى صحيفة حوادث دائمة تعمل على مدار الساعة.
مؤخرًا زادت تغطية حوادث القتل والقضايا الجنائية، واحتلت مكانًا بارزًا في النقاشات لساعات وأيام. ويعتقد عدد كبير من مرتكبي الجرائم أنهم لم يفعلوا شيئًا، ويبررون أفعالهم بوصفهم ضحايا للنصب أو الخيانة. وأصبح القتل نتيجة نهائية لأي محاولة خيانة أو عداء، ويعتبرونه أمرًا اعتياديًا.
السؤال هنا: هل زادت الجرائم، أم أننا ببساطة اعتدنا رؤيتها في اللحظة نفسها، مصحوبةً بتحليلات كل من هبَّ ودبَّ؟
في الماضي كانت الجريمة تحدث في مكان ما، ولا يعرف عنها إلا عدد قليل من الناس. أما الآن فأي حادث في أي مكان يصبح بعد دقائق على هواتف الملايين. الجميع يحلل وينتقد ويسرد بلا علم ولا معرفة حقيقية. فالمشكلة لم تعد في معرفة الخبر، بل في الإفراط في التغطية، وفي التحليلات الصادرة عن جهل بالأمر.
عندما يبدأ يومك بجريمة، وترى في الظهيرة حادثة، وفي الليل فيديو قتل، يصبح عقلك في حالة استنفار مستمر حتى تعتاد ذلك. ففي علم النفس، قد يرفع التعرض المتكرر للمشاهد العنيفة مستويات القلق والاستهتار بالجريمة، ويجعل الناس يرون العالم مكانًا مرعبًا، حتى لو لم يكن الواقع كذلك.
ومع مرور الوقت يحدث أمر أخطر: أننا نتعوّد. نرى خبر الوفاة أو القتل ونحن نأكل، ثم ننتقل إلى الخبر التالي وكأن الأمر عادي، وتصبح المأساة مجرد محتوى. ويُسمى هذا «التبلّد الانفعالي»، إذ تؤدي كثرة التعرض للمشاهد الصادمة إلى فقدان المشاعر والحساسية تدريجيًا.
ومن جهة أخرى، هناك من يعيش في خوف دائم؛ فكلما تأخر أحدهم تخيّل أنه تعرّض لحادث، وكلما خرج أولادهم إلى الشارع عاشوا في قلق مستمر.
نحن بحاجة إلى معرفة الأخبار، ولكن لا ينبغي أن نعيش فيها أو نعدّها أمرًا مسلَّمًا به. ويبقى السؤال عن السبب وراء ذلك: هل هو ظروف المجتمع، أم جهل الناس، أم البعد عن الله والدين والانشغال بالدنيا ولقمة العيش؟
بقلم: د. أمنية









