د. أحمد محمد عبد الوهاب يكتب:قبل أن يصبح الصراخ لغة البيت… حين يعلو صوت الابن على والديه

بقلم: د. أحمد محمد عبد الوهاب
استشاري صحة نفسية ومدرب معتمد من المجلس الأعلى للجامعات
احتواء نيوز
هناك وجع لا يسمعه أحد؛ وجع أم تصمت بعدما يعلو صوت ابنها عليها، وأب يبتلع ردّه حتى لا يتحول البيت إلى ساحة خصام. تنتهي المشادة، ويعود الجميع إلى تفاصيل يومهم، لكن سؤالًا يظل عالقًا في القلب: متى أصبحت كلماتنا بهذه القسوة؟
في بيوت كثيرة، تُطوى هذه المواقف بعبارات مألوفة: «معلش، هو متعصب»، أو «دي سن مراهقة وهتعدّي». وقد يكون ما حدث انفعالًا عابرًا بالفعل، لكن تكرار التجاوز دون معالجة قد يجعل الأسرة تعتاد ما كان يؤلمها، ويعلّم الابن أن الصوت المرتفع وسيلة للحصول على ما يريد.
احترام الوالدين قيمة نحميها بالتربية اليومية؛ بحوار يسمح بالاختلاف، وحدود تمنع الإهانة، وقدوة يعرف فيها الكبير كيف يراجع نفسه. فلا نحكم على شخصية ابن من لحظة غضب، ولا نترك الكلمات الجارحة تتكرر حتى تصبح أمرًا عاديًا.
من حقه أن يعترض… وعليه أن يتعلم كيف
من حق الابن أن يغضب، وأن يرفض، وأن يرى الأمور من زاوية مختلفة. لكنه يحتاج إلى تعلم التعبير عن مشاعره دون تجريح، وإلى فهم أن الاختلاف لا يمنح أحدًا حق الإهانة.
وهنا تبدأ مسؤولية الأسرة: أن تتيح له فرصة الكلام، وأن توضح له حدود الأسلوب المقبول. فالابن الذي يسمع دائمًا «اسكت» قد يجد صعوبة في عرض رأيه، والذي يحصل على مطالبه كلما صرخ قد يكرر الطريقة نفسها.
المطلوب مساحة آمنة للاعتراض، يعرف فيها الجميع أن الكلمة مسموعة، وأن الاحترام مسؤولية مشتركة.
لحظة الغضب تحتاج إلى هدوء وحدود واضحة
عندما يرفع الابن صوته، تكون اللحظة صعبة على الوالدين، خاصة حين تأتي الكلمات الجارحة ممن بذلا من أجله سنوات من الرعاية. ومع ذلك، فإن الرد بصراخ مماثل قد يضاعف التوتر، ويضيّع أصل المشكلة وسط تبادل الاتهامات.
يمكن أن يأتي الرد هادئًا وحاسمًا:
«أنا مستعد أسمعك، لكن الطريقة دي مش مقبولة. نهدأ شوية، وبعدها نتكلم».
وإذا استمر الصراخ، يُوقف النقاش مؤقتًا، ثم يُستكمل بعد الهدوء. ومن المهم ألا يتحول هذا التوقف إلى عقاب بالصمت أو قطيعة تمتد أيامًا؛ فالهدف أن يستعيد الجميع قدرتهم على الحوار.
وراء الصوت المرتفع حكاية تستحق أن تُسمع
بعد هدوء الموقف، يأتي وقت السؤال: «إيه اللي وصّلك للغضب ده؟».
قد تكشف الإجابة ضغطًا دراسيًا، أو شعورًا بالظلم، أو إحساسًا بأن رأيه لا يجد اهتمامًا. فهم هذه الأسباب يساعد الأسرة على معالجة المشكلة، مع توضيح أن المشاعر مهما كانت مؤلمة لا تبرر الإساءة.
يمكن للأب أو الأم أن يقولا:
«عايز أفهم اللي مضايقك، وممكن أكون ما سمعتكش كويس. لكن الكلام اللي اتقال جرحني، ومحتاجين نتفق إزاي ما يتكررش».
بهذه اللغة، يناقش الوالدان تصرفًا يمكن إصلاحه، دون اختصار شخصية الابن في أوصاف مثل «قليل الأدب» أو «مفيش فايدة فيك». فالتجريح قد يدفعه إلى الدفاع عن نفسه، ويبعد الحوار عن المسؤولية التي نريد تعليمه إياها.
علّموهم الكلمات التي يحتاجون إليها
لا يكفي أن نطلب من الأبناء التوقف عن الصراخ؛ علينا أن نعلّمهم ما يمكن قوله بدلًا منه: «أنا مش موافق»، أو «محتاج أشرح وجهة نظري»، أو «أنا متعصب دلوقتي، ممكن نتكلم بعد شوية؟».
هذه العبارات تمنح الابن وسيلة للتعبير، وتمنح الأسرة فرصة للاستماع قبل تصاعد الخلاف. وحين يحاول استخدامها، ينبغي ملاحظة جهده: «قدّرت إنك شرحت اللي مضايقك بهدوء». فالتحسن يحتاج إلى انتباه، مثلما يحتاج الخطأ إلى تصحيح.
وتبدأ مصداقية هذا التعليم من الكبار. فالبيت الذي يطلب الاحترام من أبنائه يحتاج إلى أن يمنع السخرية والتحقير بين جميع أفراده. واعتذار الأب أو الأم عن كلمة جارحة يقدم درسًا عمليًا في تحمّل المسؤولية وإصلاح الخطأ.
لا تجعلوا الصراخ يدير قرارات البيت
إذا رُفض طلب لسبب واضح، فلا ينبغي قبوله لمجرد أن المشادة أرهقت الجميع. يمكن مراجعة القرار عندما يقدم الابن حجة تستحق، مع توضيح سبب المراجعة، حتى يفهم أن الحوار والإقناع لهما أثر.
وعند تكرار التجاوز، تحتاج الأسرة إلى عواقب تربوية واضحة ومتناسبة مع العمر والموقف، دون ضرب أو إذلال أو تهديد. ويظل إصلاح ما حدث جزءًا أساسيًا من المسؤولية: اعتذار، وإعادة الحوار بأسلوب محترم، واتفاق عملي على كيفية التصرف عند الغضب مرة أخرى.
ومن الضروري مراعاة العمر والقدرة على التواصل. فبكاء الطفل الصغير، أو ارتفاع صوت طفل لديه توحد بسبب ألم أو ارتباك أو صعوبة في التعبير، يحتاج إلى فهم احتياجاته وسياق الموقف. ولا يصح تفسير كل صوت مرتفع بوصفه تحديًا متعمدًا.
أما إذا وصل الأمر إلى تهديد أو اعتداء، أو أصبحت الأسرة تعيش في خوف، فالأولوية لحماية أفرادها وطلب مساعدة متخصصة.
احتواء… مساحة لفهم ما يحدث داخل الأسرة
حين تتكرر الخلافات ويصبح التواصل مرهقًا، قد تساعد الاستشارة النفسية والأسرية على فهم أسباب التوتر، ومراجعة أساليب التعامل، ووضع خطوات تناسب ظروف الأسرة واحتياجات أفرادها.
ومن خلال منصة احتواء، يمكن طلب الاستشارات النفسية والأسرية والتربوية، والتعرّف إلى خدمات الإرشاد الأسري والتربية الخاصة؛ لمساندة الآباء والأمهات في مواجهة تحديات التربية والتواصل مع الأبناء وضغوط الحياة الأسرية.
فطلب المساعدة مبكرًا يتيح فرصة للتعامل مع الخلافات قبل أن تتراكم آثارها. والبيت يستحق أن يظل مكانًا نقول فيه ما يؤلمنا، دون أن نؤلم أحب الناس إلينا.
لا تنتظر حتى يصبح الصراخ لغة البيت… ابدأ خطوة نحو حوار أكثر هدوءًا وتفاهمًا.
لطلب الاستشارات والتعرّف إلى خدمات منصة احتواء:
[ahtiwa.com](https://ahtiwa.com)









