د. أحمد محمد عبد الوهاب يكتب: حين تصبح خصمًا لنفسك.. مَن يوقف محكمة الداخل؟

ينتهي اليوم، ويهدأ البيت، وتُغلق الأبواب، لكن داخل بعضنا تبدأ جلسة حساب طويلة. كلمة قلناها في غير موضعها، وفرصة ترددنا أمامها، ومهمة لم ننجزها كما أردنا. نستدعي التفاصيل واحدة تلو الأخرى، ثم نصدر الحكم القاسي: «أنا السبب.. أنا دائمًا أفسد كل شيء».
وقد ننسى في تلك اللحظة ساعات حاولنا فيها، ومسؤوليات أديناها، وأشياء صغيرة نجحنا في إنقاذها. تضيق الصورة حتى لا يبقى منها سوى الخطأ، ويصبح موقف واحد شاهدًا على حياتنا كلها.
في المقال السابق، تحدثنا عن الحدود التي تحفظ وقتنا وجهدنا في علاقاتنا بالآخرين. واليوم نقترب من علاقة ترافقنا في كل مكان: علاقتنا بأنفسنا، وطريقة حديثنا معها حين نتعب أو نتعثر.
هناك فرق يستحق الانتباه بين أن تقول: «تصرفت بطريقة تحتاج إلى تصحيح»، وأن تقول: «أنا إنسان فاشل». العبارة الأولى تفتح بابًا للعمل؛ تستطيع بعدها الاعتذار أو التعلم أو إعادة المحاولة. أما الثانية فتختصر الإنسان في حكم ثقيل، وتتركه حائرًا أمام سؤال: ماذا أصلح إذا كنت أرى نفسي كلها خطأ؟
نحتاج إلى محاسبة تساعدنا على فهم ما حدث. ما مسؤوليتي تحديدًا؟ وما الظروف التي أثرت في قراري؟ وما الذي أستطيع فعله الآن؟ بهذه الأسئلة يصبح الندم خطوة نحو الإصلاح، وتجد المشاعر طريقًا إلى فعل واضح.
تأمل أمًّا ارتفع صوتها على طفلها بعد يوم مرهق. قد تمضي ليلتها تردد أنها أم سيئة، ثم تستيقظ محمّلة بالذنب نفسه. ويمكنها أن تمنح الموقف حقه بصورة أكثر إنصافًا: تعترف بأن الصراخ آذى طفلها، وتعتذر له، وتفكر في كيفية طلب المساندة وتنظيم اللحظات الصعبة. هنا تتحمل مسؤوليتها، وتمنح نفسها فرصة للتغيير.
وينطبق الأمر على معلم فقد صبره، وموظف أخطأ في تقدير مهمة، وأب اكتشف أنه لم يصغِ إلى ابنه. لكل واحد منهم خطأ محدد يستحق المراجعة، وحياة أوسع من ذلك الخطأ تستحق أن تُرى.
وربما تعود بعض العبارات التي نستخدمها ضد أنفسنا إلى كلمات سمعناها كثيرًا: «أنت لا تنفع»، و«غيرك أفضل منك»، و«لن تتغير». نكبر، وتبتعد الوجوه التي قالتها، لكننا قد نواصل ترديدها بأصواتنا. لذلك يستحق حديثنا الداخلي أن نتوقف عنده ونسأل: هل هذه حقيقة أستطيع إثباتها، أم عبارة اعتدت سماعها؟
وللأهل والمعلمين هنا مسؤولية يومية. حين نصف سلوك الطفل بدقة، نمنحه شيئًا يستطيع تغييره. نقول: «لم تُكمل المهمة»، ثم نساعده على معرفة ما يعوقه. وحين نحترم كرامته أثناء التصحيح، نقدم له نموذجًا يمكن أن يتعلم منه كيف يراجع نفسه عندما يكبر.
أما نحن، فيمكن أن نبدأ بتغيير كلمات قليلة. بدلًا من «أنا أفشل دائمًا»، نقول: «هذه المحاولة لم تنجح، وأحتاج إلى فهم السبب». وبدلًا من «ضيّعت كل شيء»، نسأل: «ما الذي يمكن تداركه؟». الدقة في وصف ما حدث تمنحنا فرصة لاتخاذ خطوة تناسبه.
وإذا أخطأت في حق شخص، فابحث عن إصلاح يصل إليه: اعتذار واضح، أو حق تعيده، أو سلوك تلتزم بتغييره. لا يحتاج المتضرر إلى أن تعاقب نفسك سرًّا لساعات؛ يحتاج إلى أثر مسؤوليتك في الواقع.
عامل نفسك بالإنصاف الذي تتمناه لمن تحب. تذكر تعبها دون أن تجعله عذرًا لكل تصرف، واعترف بجهدها دون أن تنكر ما يحتاج إلى تطوير. امنحها فرصة للتعلم، ووقتًا للمحاولة، وكلمات تساعدها على النهوض.
وفي نهاية هذا اليوم، حين تستعرض ما فعلت، اسأل نفسك عن الخطأ وما ستفعله لإصلاحه، ثم اسألها أيضًا عما أحسنت فيه. دع الصورة تكتمل قبل أن تحكم.
أنت مسؤول عن أفعالك، وتستحق فرصة صادقة لتصحيحها. فلا تجعل حكمك على نفسك أقسى من قدرتك على التغيير.









