د. أحمد محمد عبد الوهاب يكتب: حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر تبدأ بفهم احتياجاتها

بقلم: د. أحمد محمد عبد الوهاب
استشاري تربية خاصة وإرشاد أسري
المستشار الإعلامي لجمعية البحرين للعمل التطوعي
عندما نضع خطة لمواجهة أزمة، قد ننشغل بتجهيز المعدات وتحديد مخارج الطوارئ وتوزيع المسؤوليات، بينما يبقى سؤال أساسي يحتاج إلى إجابة: هل يستطيع كل شخص الاستفادة من هذه الاستعدادات؟ فقد يصل التحذير إلى الجميع، لكن بعضهم قد يجد صعوبة في فهمه، وقد يكون طريق الخروج متاحًا، لكنه يحتاج إلى تهيئة تسمح لشخص يستخدم كرسيًا متحركًا بالمرور بأمان.
من هنا تبدأ أهمية تقييم المخاطر المجتمعية، بوصفه عملية تساعدنا على فهم ما قد يهدد الناس، وتحديد الأشخاص الأكثر تعرضًا للضرر، ثم اختيار إجراءات حماية تناسب احتياجاتهم والموارد المتاحة.
ويحتاج هذا التقييم إلى التمييز بين مفاهيم مترابطة. فالخطر هو ما يمكن أن يسبب الضرر، مثل موجة حر أو حريق أو أمطار غزيرة. أما التعرّض فيتعلق بوجود الأشخاص أو الممتلكات في نطاق هذا الخطر. وتشير الهشاشة إلى الظروف التي تزيد احتمال تضررهم، مثل صعوبة الحركة أو العزلة أو ضعف الوصول إلى المعلومات. في المقابل، تعبّر القدرة على المواجهة عن الموارد والإمكانات التي تساعدهم على الاستعداد والاستجابة.
ولذلك، قد يختلف أثر الخطر نفسه بين شخص وآخر داخل المكان ذاته. ففي حالة افتراضية لانقطاع الكهرباء عن مبنى، قد يستطيع بعض السكان المغادرة بسهولة، بينما يحتاج آخرون إلى مساعدة بسبب تعطل المصعد أو صعوبة استخدام السلالم. ويكشف هذا المثال أن معرفة نوع الخطر وحده لا تكفي لتحديد احتياجات الحماية.
ومن الأخطاء التي ينبغي تجنبها افتراض احتياجات الناس اعتمادًا على أعمارهم أو إعاقتهم فقط. فالأشخاص ذوو الإعاقة يمتلكون خبرات وقدرات متنوعة، ويعرفون كثيرًا من تفاصيل الدعم الذي يناسبهم. كما أن احتياجات كبار السن والأطفال تختلف بحسب ظروفهم والبيئة المحيطة بهم. ولهذا، فإن سؤال الأشخاص أنفسهم والاستماع إلى أسرهم عند الحاجة يساعدان على بناء تقييم أكثر دقة واحترامًا.
وفي مجال التربية الخاصة، يستحق التواصل مساحة واضحة داخل خطط الطوارئ. فقد يحتاج شخص ذو إعاقة ذهنية إلى تعليمات قصيرة مدعومة بالصور، وقد يحتاج آخر إلى تدريب مسبق ومتكرر على مسار الإخلاء. ومن المفيد تحديد شخص يعرف أسلوب تواصله، مع توفير بديل عند غيابه. وتصبح هذه الترتيبات أكثر قابلية للتطبيق حين تُجرّب في ظروف تدريبية هادئة وتُراجع وفق ملاحظات المشاركين.
ويبدأ التقييم الجيد بجمع معلومات محددة: أين يقع الخطر؟ ومن يوجد في نطاقه؟ وما العوائق التي قد تمنع وصول المساعدة؟ وما وسائل النقل والتواصل ومواقع الدعم المتاحة فعلًا؟ وينبغي الاكتفاء بالمعلومات اللازمة للتخطيط، وحماية خصوصية أصحابها، وتحديثها كلما تغيرت الظروف.
بعد ذلك تأتي مرحلة ترتيب الأولويات. ويمكن الاستعانة بمصفوفة تجمع بين احتمال وقوع الحدث وشدة تأثيره، على أن تُستخدم الدرجات باعتبارها أداة تساعد على التفكير والمقارنة. فظهور احتياج عاجل أو معلومة جديدة قد يستدعي تعديل الأولوية، حتى لو بدا التقدير الأولي منخفضًا. ويظل الحكم على الموقف مرتبطًا بالسياق والبيانات المتاحة.
وتظهر قيمة التقييم حين يتحول إلى خطة واضحة. فعبارة «توعية المستفيدين» تحتاج إلى تفاصيل تحدد مضمون الرسالة، وطريقة تقديمها، والمسؤول عنها، وموعد تنفيذها، وكيفية التحقق من فهمها. وبالمثل، فإن تخصيص وسيلة للنقل يتطلب التأكد من ملاءمتها للأشخاص الذين سيستخدمونها وإمكان تشغيلها وقت الحاجة.
أما المتابعة، فتحتاج إلى مؤشرات تقيس وصول الحماية. فتوقيع الحضور في لقاء توعوي لا يوضح وحده مدى فهم التعليمات، بينما يساعد التطبيق العملي وطلب إعادة شرح الخطوات على كشف ما يحتاج إلى تبسيط. كذلك، فإن غياب الشكاوى يستدعي النظر في سهولة الإبلاغ وإتاحة وسائله للجميع قبل اعتباره دليلًا على نجاح الخطة.
ويستطيع العمل التطوعي أن يدعم هذه الجهود من خلال معرفة المجتمع المحلي، والمساعدة في إيصال المعلومات، ورصد عوائق الوصول بالتنسيق مع الجهات المختصة. ويزداد أثر المتطوعين عندما يحصلون على تدريب يناسب أدوارهم، ويعرفون حدود مسؤولياتهم وكيفية إحالة الاحتياجات التي تتجاوزها.
إن حماية المجتمع تبدأ من الانتباه إلى تفاصيل حياة أفراده. وكل خطة تمنح الناس فرصة للمشاركة، وتختبر قدرتهم الفعلية على الوصول إلى المساعدة، تصبح أقرب إلى احتياجاتهم. وتبقى الأسئلة التي توجه العمل واضحة: من قد يتضرر؟ وما الذي يصعّب حمايته؟ ومن سيتولى الإجراء المطلوب، ومتى، وكيف سنتأكد من وصوله؟









