كتب : ا. عبد السلام عمري
إنَّ ربَّ العالمين يفتح باب التوبة على مصراعيه للتائبين وللمسرفين على أنفسهم في اقتراف المعاصي، حتى يبادر كلُّ مذنبٍ بالتوبة ثم الإنابة، قال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53].
جاء في تفسير المنتخب: قل يا محمد - مبلغًا عن ربك -: يا عبادي الذين أكثروا على أنفسهم من المعاصي، لا تيأسوا من رحمة الله، إن الله يتجاوز عن الذنوب جميعًا، إنه هو وحده العظيم في مغفرته ورحمته.
قال عز الدين بن عبد السلام في تفسيره: نزلت والتي بعدها في وحشي قاتل حمزة. قال علي: ما في القرآن آية أوسع منها. قال الرسول: «ما أحب أن لي الدنيا وما عليها بهذه الآية».
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ رَجُلٍ خَرَجَ بِأَرْضٍ دَوِيَّةٍ مُهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ وَزَادُهُ وَمَا يُصْلِحُهُ، فَأَضَلَّهَا، فَخَرَجَ فِي طَلَبِهَا، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَلَمْ يَجِدْهَا، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي أَضْلَلْتُهَا فِيهِ فَأَمُوتُ فِيهِ، قَالَ: فَأَتَى مَكَانَهُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَاسْتَيْقَظَ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ وَزَادُهُ وَمَا يُصْلِحُهُ». رواه أحمد.
كما هو واضح وبيِّن، فإن الله يفرح بتوبة التائب، وباب التوبة مفتوح بالليل والنهار، يقبل كلَّ من يراجع نفسه من المذنبين. عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». رواه أحمد.
وللترغيب في التوبة وحثِّ المسلمين عليها، نجد أن النبي ﷺ لم يعنِّف من وقعوا في المعصية ثم تابوا، بل أشار إلى أن الله يحبهم ورسوله. فشارب الخمر الذي تكرر جلده لتكرار ضبطه متلبسًا بشرب الخمر، فوقع البعض في لعنه، فنهاهم النبي، وبيَّن أن الرجل يحب الله ورسوله.
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلًا كان يُلقب جمارًا، وكان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم الغِكَّة من السمن والغِكَّة من العسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه، جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعط هذا ثمن متاعه، فما يزيد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتسم ويأمر به فيُعطى. فجيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شرب الخمر، فقال رجل: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه، فإنه يحب الله ورسوله».
وفي رواية: فقال بعض القوم: أخزاه الله، فقال رسول الله: «لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان، ولكن قولوا: رحمك الله».
وإذا كان النبي يرفق بالتائبين تشجيعًا لكل مذنب أن يُقلع عن ذنبه ويعود إلى ربه عودًا حميدًا، فإن من واجب المسلم ألَّا يُقنِّط الناس من رحمة الله، وأن يفتح لهم باب الأمل في التوبة والمغفرة، وأن يقدم النصح لصاحب المعصية مع مراعاة أدب النصيحة. وعلى المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مع مراعاة الآداب الشرعية في ذلك، وأن يتضرع إلى الله بالدعاء بالهداية لكل منحرف عن طريق الله المستقيم.
أما ولاة أمر المسلمين فهم المنوط بهم إقامة الحدود أو توقيع العقوبات بعد ثبوت الوقائع ووقوع ما يوجب الحد، مع تكليفهم للعلماء ببيان الحلال والحرام وتوجيه النصح للمنحرفين.
ومن أقوال الصحابة والصالحين في التوبة:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اجلسوا إلى التوابين، فإنهم أرقُّ في أفئدة».
وقال لقمان لابنه: «يا بني، لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة».
وقال الربيع بن خيثم: «أتدرون ما الداء وما الدواء والشفاء؟ قالوا: لا. قال: الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب ثم لا تعود».
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «عجبًا لمن يهلك ومعه النجاة». قيل له: وما هي؟ قال: «التوبة والاستغفار».
وقال الحسن البصري: «التوبة النصوح ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار ألَّا يعود».
وقيل: «من ندم فقد تاب، ومن تاب فقد آناب».










