بقلم : ا. عبد السلام عمري
لما كان الاتحاد من الأهمية بمكان لضمان قوة الأمة، نهى النبي عن كل دواعي الفرقة والتفرق.
فهذه الأدلة التي ذُكرت والتي ستأتي، تأمر المسلمين بالأخذ بكل ما يزيد المحبة بينهم، والنهي عن كل ما يولد البغضاء في صفوفهم، وتأمرهم صراحة بأن يكونوا إخوة، ولا يمكن للمسلمين أن يكونوا إخوة إلا إذا كانوا متحدين، فإن الأخوة ضد الفرقة والاختلاف.
إن كل مقومات الوحدة والاتحاد موجودة وقائمة بين المسلمين، ولكنها تحتاج إلى تفعيل لا تعطيل. الله ربنا جميعًا، والإسلام ديننا، ومحمد رسولنا، نعم عقيدتنا التوحيد الخالص لرب العالمين، والعبادات التي فرضها الله تحمل كل معاني الوحدة والاتحاد، فلماذا التراخي في تحقيق الوحدة؟ إن الله يطلب منا أن نكون صفًا واحدًا في وجه أعداء الإسلام الذين يتربصون بنا الدوائر، وها هي بعض البراهين لإقامة الدليل على ما ذكرت. قال الله تعالى: «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» (الأنبياء: 92).
لقد دعت الآية الكريمة إلى ضرورة وحدة الهدف ووحدة الصف، في منظومة الدعوة المحمدية. قال العلامة السعدي: «أي هؤلاء الرسل المذكورون هم أمتكم وأئمتكم الذين بهم تأتمون، وبهديهم تقتدون، كلهم على دين واحد، وصراط واحد، والرب أيضًا واحد. ولهذا قال: (وَأَنَا رَبُّكُمْ) الذي خلقتكم وربيتكم بنعمتي في الدين والدنيا، فإذا كان الرب واحدًا، والنبي واحدًا، والدين واحدًا، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، بجميع أنواع العبادة، كان وظيفتكم والواجب عليكم القيام بها، ولهذا قال: (فَاعْبُدُونِ) فرتب العبادة على ما سبق بالفاء، ترتيب المسبب على سببه».
إن الإسلام بتعاليمه السامية يعمل على أن تقوم حياة الأمة على الوحدة والاتحاد، فتكون يدًا واحدة وقلبًا واحدًا، حتى تتمكن في ظل هذه الوحدة أن تقيم شعائر الإسلام وتطبق شرع الله في الأرض، وتبني المجتمع بناءً سليمًا، وتقوم نهضتها ورقيها وحضارتها على أسس متينة، وتعمل على حل المشكلات التي تعترض طريقها، وتباشر دورها الإيجابي في كل ميادين الحياة، فينتشر فيها الأمن والاستقرار، ويعم الخير والسلام، فتنهض اقتصاديًا وتجاريًا وعلميًا وعسكريًا، وفي كل مجالات الحياة، مما يجعلها تتمكن من الدفاع عن قضاياها، وتعود لها هيبتها بين الأمم، فتقف مرفوعة الرأس موفورة العزة والكرامة. فحريٌّ بأبناء الأمة الإسلامية أن يتعاونوا على البر والتقوى، ويقفوا صفًا واحدًا في وجه أعداء الإسلام. قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ» (الصف: 4).
ولا يمكن للوحدة أن تتحقق بعيدًا عن الدين، لأن التمسك بالإسلام هو مفتاح النصر. قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» (محمد: 7). قال الدكتور سيد طنطاوي رحمه الله: والمعنى: يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان، إن تنصروا دين الله عز وجل وتتبعوا رسوله، ينصركم سبحانه على أعدائكم، ويثبت أقدامكم عند قتالكم إياهم، ويوفقكم بعد ذلك للثبات على دينه، والشكر على نعمه. لقول عمر رضي الله عنه: إنكم لا تنتصرون على عدوكم بعدد ولا عدة، وإنما تنتصرون بطاعتكم الله ومعصية عدوكم له، فإذا تساويتم في المعصية غلبوكم بالعدد والعدة. وقال رضي الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.










