أمل حامد تكتب "الذوق… أول ما نفقده حين تزدحم الحياة"

ا. أمل حامد
• مدربة تربية إيجابية وتطوير سلوكي.
• أخصائية تدريب تربوي وصحة نفسية للطفل.
• مستشارة تدريب سلوكي وإتيكيت للأطفال.
حين يغيب الذوق… تصبح أبسط التعاملات عبئًا
في زحام الحياة، فقدنا شيئًا من الذوق الذي كان يمنح علاقاتنا دفئها، ويجعل التعامل بين الناس أيسر وأجمل. صارت الكلمة الطيبة تُؤجَّل، والاهتمام يُختصر، ومراعاة المشاعر تتراجع أمام عبارة نرددها كثيرًا: «كلنا عندنا ضغوط».
نعم، للحياة ضغوطها، ولكل إنسان ما يشغله ويتعبه، لكن متى أصبح الانشغال مبررًا للغلظة؟ ومتى صارت إساءة التعامل أمرًا عاديًا، بينما أصبح العتاب عليها مبالغة وحساسية زائدة؟
قد نختلف، وقد نعجز عن تلبية طلب، وقد نحتاج إلى بعض المسافة، لكن يظل في استطاعتنا أن نفعل ذلك بذوق؛ أن نعتذر دون تجريح، ونرفض دون إهانة، ونوضح حدودنا دون أن ننتقص من أحد.
من التجاهل إلى القسوة المتبادلة
تبدأ المسألة أحيانًا بموقف صغير: رسالة تحتاج إلى رد، أو حديث نقاطعه، أو وعد لا نلتزم به ولا نعتذر عنه. ثم تتكرر المواقف، فيشعر الطرف الآخر أن وجوده لا يُقدَّر، فيرد التجاهل بتجاهل، والجفاء بجفاء، حتى تصبح العلاقة سلسلة من ردود الأفعال المؤلمة.
ومع الوقت، قد يعتاد الناس هذه الطريقة، ويظن كل طرف أن قسوته مجرد دفاع عن نفسه. وهكذا نفقد مساحة كان يمكن أن تحميها كلمة واضحة أو لفتة اهتمام بسيطة.
كسر هذه الدائرة يحتاج إلى وعي: أن نفهم انزعاجنا، ونعبّر عنه، ونحفظ حقنا، دون أن نجعل إساءة الآخرين نموذجًا لسلوكنا.
الإتيكيت أبعد من المظهر والمائدة
حين نذكر الإتيكيت، يتبادر إلى أذهان البعض ترتيب أدوات الطعام، وطريقة الجلوس، واختيار الملابس. وهذه جوانب منه، لكن جوهره يظهر في تفاصيل التعامل اليومية: كيف نستمع؟ كيف نختلف؟ وكيف نراعي ظروف الآخرين وخصوصيتهم؟
الإتيكيت هو فن التعامل بذوق ورقي، واحترام الذات والآخرين، وحسن التصرف بما يناسب الموقف والمكان.
نراه في شخص ينتظر دوره، وآخر يخفض صوته، وثالث لا يحرج إنسانًا أمام الناس، ورابع يعتذر حين يخطئ دون مكابرة. ونراه فيمن يحترم وقت العامل كما يحترم وقت المدير، ويعامل الناس بكرامة مهما اختلفت مواقعهم.
وهذه المعاني تتصل بأخلاق أصيلة في ثقافتنا وديننا؛ من الرفق، وحسن القول، والاستئذان، وصون الكرامة، اقتداءً برسولنا الكريم ﷺ في حسن المعاملة.
متى نعلّم أبناءنا الذوق؟
يبدأ تعليم الذوق منذ السنوات الأولى، في المواقف الصغيرة التي يعيشها الطفل داخل أسرته. فهو يلاحظ طريقة حديث الكبار، وكيف يختلفون، وكيف يعتذرون، ثم يتعلم من أفعالهم إلى جانب ما يسمعه من توجيهاتهم.
حين يرى الطفل والديه يشكران من يساعدهما، ويحترمان خصوصية غيرهما، ويتحدثان بهدوء، تصبح هذه التصرفات مألوفة لديه. أما إذا طالبناه بالأدب بينما يرى أمامه السخرية والصراخ، فإننا نقدم له رسالة متناقضة.
ومع نموه، يمكن شرح أسباب السلوك وتدريبه عليه بما يناسب عمره: لماذا نستأذن؟ ولماذا لا نسخر من شكل أحد أو طريقته في الكلام؟ وكيف نعبّر عن الغضب دون أذى؟
لا نحتاج إلى انتظار سن السابعة كي نبدأ؛ نبدأ بالقدوة، ثم نضيف الشرح والممارسة تدريجيًا. ونترك للطفل فرصة أن يخطئ ويتعلم، دون أن نطالبه بسلوك مثالي طوال الوقت.
الذوق يحفظ العلاقات… ويحفظ الحدود أيضًا
العلاقات تحتاج إلى التقدير والاهتمام، وإلى شعور كل طرف بأن صوته مسموع ومشاعره محل اعتبار. وقد تُصلح عبارة اعتذار صادقة ما لا تصلحه تبريرات طويلة، كما قد يمنع الاستماع الجيد خلافًا كان على وشك أن يتسع.
لكن الذوق لا يعني إرضاء الجميع، أو السكوت عن الإهانة، أو قبول ما يفوق طاقتنا. يمكن للإنسان أن يكون مهذبًا وحازمًا في الوقت نفسه؛ يقول «لا» باحترام، ويطلب حقه بوضوح، ويبتعد عن علاقة مؤذية دون إساءة.
ومن المهم أيضًا ألا نحكم على الصحة النفسية للناس من لباقة حديثهم وحدها؛ فالذوق سلوك نتعلمه ونمارسه، والإنسان الذي يمر بضيق نفسي يظل مستحقًا للتفهم والاحترام.
أثر صغير يمتد إلى المجتمع
هناك أشخاص يتركون فينا راحة بعد كل لقاء؛ يمنحوننا وقتًا للحديث، ولا يحولون اختلافنا معهم إلى معركة، ويشعروننا بأننا موضع تقدير. وجودهم يذكّرنا بقيمة المعاملة الطيبة، ويدعونا إلى ممارستها مع غيرهم.
وفي البيت والمدرسة والعمل والشارع، يساعد احترام الوقت، وحسن الاستماع، والالتزام بالدور، والاعتذار عن الخطأ، على تخفيف الاحتكاكات وبناء الثقة. وحين يقل التوتر في التعامل، تتسع مساحة التعاون والإنجاز.
نحتاج أن نعيد للذوق مكانه في تربيتنا وحياتنا اليومية؛ في رد نكتبه، ووعد نقطعه، وخلاف نديره، وكلمة نختارها قبل أن تخرج.
فلنبدأ من أقرب تعامل اليوم: نستمع حتى النهاية، ونشكر بصدق، ونعتذر حين نخطئ، ونحفظ للناس كرامتهم حتى حين نختلف معهم.









