ا. فاتحة أحمد يشو -الرشيدية
كتابٌ ينتظر قارئًا… وكاتبٌ يخذله الحضور

نعيش أزمة قراءة حقيقية، تتجاوز العزوف عن اقتناء الكتب إلى تراجع علاقتنا بالمعرفة، وانحصار المساحة التي نمنحها للتأمل والتفكير. ففي زمن تتسارع فيه الصور والمنشورات، ويستأثر المحتوى العابر باهتمام الجمهور، يجد الكتاب نفسه في منافسة غير متكافئة مع ثقافة الاستهلاك السريع، ويصبح الكاتب مطالبا بمقاومة النسيان بقدر ما هو مطالب بإبداع نص يستحق القراءة والتأمل...
نكتب لأننا نعشق الكتابة، ونتخذ منها متنفسا لأرواحنا، ونافذة نعبر منها إلى عوالم أرحب من ضيق الواقع ورتابة الحياة. وحين ننجز كتابا، فإننا لا نضع بين دفتيه كلمات فحسب، بل نودع فيه شيئا من ذاكرتنا وتجربتنا وأسئلتنا، ونمنحه فرصة لأن يعيش خارج حدود أعمارنا. لذلك، تظل فرحة الإنجاز مشروعة، حتى حين لا يواكبها التفاعل الذي انتظره صاحبها.
لقد أدرك المفكرون، عبر العصور، أن القراءة ليست ترفا ثقافيا، بل سبيل إلى توسيع الوعي وتحرير العقل من ضيق التجربة الفردية. وقد قيل: «القراءة تصنع الإنسان الكامل». وفي هذه العبارة إشارة إلى أن الكتاب لا يضيف إلى رصيدنا المعرفي فحسب، بل يسهم في تشكيل نظرتنا إلى العالم، ويعلمنا الإصغاء إلى تجارب الآخرين ومساءلة ما نظنه حقائق نهائية.
غير أن الكتاب، في واقعنا الراهن، يواجه مفارقة لافتة؛ لم يسبق أن كانت وسائل نشر المعرفة وتداولها بهذه السهولة، ومع ذلك لا تتحول وفرة المحتوى بالضرورة إلى عمق في القراءة. فالرقمنة، بما أتاحته من فرص للتواصل والوصول إلى النصوص، يمكن أن تكون رافعة للإبداع، لكنها قد تتحول أيضا إلى فضاء يشتت الانتباه، ويختزل قيمة العمل في عدد الإعجابات والمشاركات، وكأن ما لا يثير ضجة لا يستحق أن يُقرأ.
ولا تكمن المشكلة في الوسائط الرقمية ذاتها، بل في الطريقة التي نستعملها بها، وفي الثقافة التي ننتجها داخلها. فليس كل انتشار دليلا على القيمة، كما أن قلة التفاعل لا تعني بالضرورة ضعف العمل. ثمة نصوص تحتاج إلى قارئ متأن ،وإلى زمن يسمح لها بأن تكشف طبقاتها الدلالية والجمالية ،وهي أمور لا تقاس دائما بسرعة التداول أو بحجم الجمهور.
وتزداد الصورة قتامة حين تقترن محدودية الاهتمام بالقراءة بانتهاك حقوق المبدعين، من خلال القرصنة أو الاستيلاء على النصوص والأفكار ونسبتها إلى غير أصحابها. فالكتابة جهد فكري وإنساني، وقد يستهلك إعداد كتاب سنوات من البحث والتأمل والمراجعة. وحين يُسرق هذا الجهد، لا يُنتهك حق المؤلف المادي والمعنوي فحسب، بل تُضرب إحدى القيم الأساسية التي يقوم عليها الإبداع ؛ الأمانة.
إن احترام الكاتب لا يتحقق بالثناء على موهبته وحده، بل يبدأ بالاعتراف بجهده، وصون حقه في عمله، وعدم تحويل ما يبدعه إلى مادة مباحة للاستنساخ والنسب الزائف. فالرقمنة التي تتيح انتشار المعرفة ينبغي أن تقترن بثقافة المسؤولية، حتى لا يصبح التطور التقني وسيلة لطمس أسماء أصحاب الأعمال وإهدار حقوقهم.
وفي خضم هذا المشهد، يظل السؤال الثقافي الأعمق: كيف نستعيد للكتاب مكانته في مجتمع تتسع فيه منافذ التواصل، بينما تضيق أحيانا مساحة الحوار المعرفي؟ إن بناء علاقة سليمة مع القراءة يحتاج إلى تربية مبكرة على حب الكتاب، وإلى مكتبات حية، ومبادرات جادة للتشجيع على المطالعة، وإلى نقد أدبي يتجاوز المجاملات، فينصف النصوص بالحجة والتحليل، لا بمكانة أصحابها أو حجم حضورهم الرقمي.
كما يحتاج المبدع نفسه إلى التمييز و التقدير وألا يرهن قيمته برضا الجمهور. فمن حق الكاتب أن يفرح بمن يقرأه، وأن يحزن حين يُهمَل عمله، لكن ليس من العدل أن تتحول الأرقام إلى حكم نهائي على تجربته. فالكتاب الذي لا يلفت الانتباه اليوم قد يجد غدا قارئا يكتشف فيه ما لم ينتبه إليه الآخرون، وقد تكون قيمة العمل في أثره العميق في قلة من القراء، لا في مروره السريع أمام آلاف العيون.
لهذا، لا ينبغي أن يسرق فتور التفاعل فرحة الإنجاز من الكاتب. فلنحتفي بكتبنا كما نحتفي بحلم طال انتظاره؛ فقد بذلنا فيه من أرواحنا ووقتنا ما يستحق الاعتزاز. نكتب لأن الكتابة خيارنا ولأننا نؤمن بأن للكلمة قدرة على فتح النوافذ في الجدران المغلقة، لا لأننا نضمن تصفيق الآخرين. وفي الوقت نفسه، نتمسك بحقوقنا في أن يُنسب إلينا ما أبدعناه فالتنازل عن الحقوق، والإيمان بالكلمة لا يقتضي الصمت أمام سرقتها بل بالوقوف بالمرصاد امام كل من يتلاعب بجهود الآخرين وطمس هوياتهم الثقافية..
إن الأدب الصادق لا يضمن لصاحبه الخلود، لكنه يمنح تجربته فرصة لتجاوز حدود اللحظة. والزمن، وإن كان قادرا على إعادة اكتشاف بعض الأعمال التي لم تنل حظها من الاهتمام، لا يعفينا من مسؤوليتنا الراهنة في القراءة والنقد والتشجيع وصون الحقوق.
لقد آن الأوان كي نعيد النظر في علاقتنا بالكتاب، لا بوصفه قطعة ورقية أو صورة نزين بها صفحاتنا، بل باعتباره مساحة للمعرفة والحوار والاختلاف الخلاق. فالمجتمع الذي يقرأ يمتلك أدوات أفضل لفهم ذاته، ومساءلة واقعه، وتخيّل مستقبله؛ والمجتمع الذي يحترم الإبداع يحمي حق الإنسان في أن يفكر ويكتب ويترك أثرا باسمه.
إلى كل كاتب يحتضن مولوده الأدبي في زمن العزوف والضجيج: لا تجعل صمت اللحظة يحجب عنك قيمة ما أنجزت، ولا تسمح للقرصنة بأن تنتزع منك حقك في الاعتراف. احتفِ بحلمك، وواصل الكتابة بوعي ومسؤولية، واترك لنصك فرصة أن يجد قارئه.
فليست كل قيمة تصنع بهرجة وليست كل كلمة صادقة مطالبة بأن تثبت جدارتها بعدد التفاعلات. وبين كتاب ينتظر من يفتحه، وكاتب ينتظر من يقرأه، تظل مسؤوليتنا الثقافية أن نعيد وصل ما انقطع بين الإبداع وقرائه، حتى لا يصبح الكتاب غريبا عن أهله، ولا تتحول القراءة إلى ذكرى جميلة في مجتمع يملك أدوات التواصل وينسى أحيانا فضيلة الإصغاء.
مقالتي مهداة إلى الكاتب الذي أبكاه غياب الحضور لحظة الاحتفاء بكتابه.
ا.فاتحة احمد يشو









