الصحافة الزرقاء… حين تسبق التدوينةُ الحقيقةَ وتتحول المشاركة إلى محاكمة

بقلم: فاتحة أحمد يشو
لم يعد الفيسبوك مجرد فضاء افتراضي لتبادل الصور والأفكار والتواصل بين الأفراد، بل أضحى قوة اجتماعية وإعلامية يصعب الاستهانة بتأثيرها في الرأي العام، وفي توجيه النقاشات المجتمعية، بل وفي مساءلة المسؤولين وكشف ملفات ظلت لسنوات حبيسة الأدراج. وليس من السهل أن تتهاوى مواقع مسؤولين، أو أن يجد وزراء أنفسهم في قلب العاصفة بسبب تدوينات أعادت نبش ملفات قديمة، وسلطت الضوء على اختلالات كان يُعتقد أنها طُويت مع مرور الزمن.
إننا أمام شكل جديد من أشكال السلطة، سلطة لا تنتظر إذنا من مؤسسة، ولا تحتاج إلى مطبعة أو قناة تلفزيونية كي تبلغ جمهورها. إنها سلطة المعلومة حين تتحرر من قيود المكان والزمان، وسلطة الفرد حين يتحول هاتفه المحمول إلى منبر، وتصبح تدوينته قادرة على إحداث ما قد تعجز عنه مقالات مطولة أو نقاشات مؤسساتية مغلقة. وإذا كانت الصحافة التقليدية قد عُرفت بالسلطة الرابعة، فإننا اليوم أمام سلطة رقمية يمكن تسميتها، مجازا، السلطة السابقة لأوانها؛ لأنها تصدر أحكامها في الفضاء العام قبل أن تستكمل المؤسسات إجراءات التحقق والمساءلة.
لقد أسهمت العولمة والرقمنة في تقليص المسافات بين الحدث والمتلقي، وأعادت تشكيل العلاقة بين منتج الخبر ومستهلكه. فلم يعد المواطن مجرد متلق سلبي ينتظر نشرات الأخبار أو صدور الصحف، بل صار بإمكانه أن يكون شاهدا وناقلا ومعلقا، وربما صانعا للحدث نفسه. وهنا تتجلى إحدى المفارقات الكبرى في العصر الرقمي: لقد اتسعت دائرة المشاركة في إنتاج المعرفة، لكن اتسعت معها أيضا دائرة التضليل والالتباس وتداول المعلومات غير المكتملة.
في زمن الصحافة الورقية، كان الخبر يمر، في الغالب، عبر سلسلة من الإجراءات التحريرية، وقد يستغرق وقتا قبل أن يصل إلى القارئ. أما اليوم، فقد أصبح السباق نحو احتلال قصب السبق في نشر الأخبار محكوما بمنطق السرعة والتفاعل وعدد المشاهدات. وهكذا انتقلنا من زمن كان فيه الخبر ينتظر دوره في النشر، إلى زمن يسبق فيه السيف العدل؛ إذ قد تنتشر المعلومة في دقائق، بينما تحتاج الحقيقة إلى أيام أو أشهر كي تثبت نفسها، وقد لا تتمكن من اللحاق بشائعة سبق أن استقرت في الأذهان.
ولعل أخطر ما في هذه المفارقة أن سرعة الانتشار لا تعني بالضرورة صحة المعلومة، كما أن كثرة التفاعلات لا تمنح المنشور شرعية أخلاقية أو معرفية. فالحقيقة لا تُقاس بعدد المشاركات، والاتهام لا يصبح دليلا لمجرد أن آلاف المستخدمين تداولوه. وقديما قال فرانسيس بيكون: «المعرفة قوة»، لكن المعرفة في عصرنا الرقمي تطرح سؤالا أكثر إلحاحا: ماذا يحدث حين تتحول المعلومة غير المتحقَّق منها إلى قوة، وحين يصبح امتلاك وسيلة النشر أسبق من امتلاك القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم؟
إننا لا نستطيع إنكار الدور الإيجابي الذي يؤديه الفضاء الأزرق في كشف الاختلالات، والدفاع عن المظلومين، وإثارة قضايا الشأن العام، وإجبار بعض الجهات على التفاعل مع ملفات ربما كانت ستظل بعيدة عن أنظار المجتمع. فكم من قضية استعادت حضورها بفضل تدوينة، وكم من صوت مهمش وجد طريقه إلى الرأي العام عبر منشور بسيط! غير أن هذه القوة نفسها قد تنقلب إلى أداة للتشهير، حين يُختزل التحقيق في اتهام، وتُختزل العدالة في حملة إلكترونية، ويصبح المتهم مدانا في الوعي الجماعي قبل أن تتاح له فرصة الرد أو تتضح ملابسات القضية.
ومن هنا، فإن الإشكال لا يكمن في وجود هذه السلطة الرقمية بقدر ما يكمن في طبيعة ممارستها، وفي الحدود الأخلاقية التي تضبطها. فحرية التعبير حق أساسي، لكنها لا تعني إباحة المساس بكرامة الأفراد، كما أن حماية السمعة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإسكات الأصوات الناقدة أو التستر على الفساد. وبين هذين الحدين تتشكل معادلة دقيقة، قوامها أن يكون النقد حرا، وأن تكون المعلومة مسؤولة، وأن تظل المحاسبة قائمة على الأدلة لا على الانفعالات.
وفي هذا السياق، تبدو مقولة فولتير الشهيرة، المتداولة في صياغات مختلفة، بشأن الدفاع عن حق الإنسان في التعبير، استحضارا ضروريا لقيمة الاختلاف وحرية الرأي. غير أن الدفاع عن هذه الحرية لا يكتمل إلا باستحضار مسؤولية الكلمة؛ فالكلمة التي تحرر إنسانا من الظلم قد تسجن آخر في دائرة اتهام باطل، والتدوينة التي تكشف حقيقة قد تصبح، إذا افتقرت إلى التثبت، وسيلة لصناعة حقيقة زائفة.
إن الحذر، الذي كان واجبا في زمن الصحافة التقليدية، أضحى اليوم أشد وجوبا في ظل الصحافة الفيسبوكية. فالأخطاء لم تعد تحتاج إلى أسابيع كي تنكشف، والزلات لم تعد حبيسة مجالس ضيقة، بل قد تصبح مادة متداولة في رمشة عين. لكن المفارقة أن سرعة فضح الأخطاء لا تقابلها دائما سرعة تصحيحها؛ فقد ينتشر الاتهام على نطاق واسع، بينما لا يحظى الاعتذار أو التوضيح بالاهتمام نفسه. وهكذا تظل آثار الشائعة عالقة في الذاكرة الجماعية حتى بعد ظهور الحقيقة.
وإذا كانت الصحافة الصفراء قد تعرضت تاريخيا للنقد بسبب الإثارة والتهويل وتغليب السبق على الدقة، فإن الصحافة الزرقاء تستدعي بدورها مساءلة أخلاقية وقانونية تتناسب مع طبيعتها الجديدة. فهي لا تخضع دائما لمعايير التحرير المهني، ولا يلتزم ممارسوها بالضرورة بميثاق أخلاقي موحد، كما أن الحدود بين الرأي والخبر، وبين النقد والتشهير، وبين التوثيق والتأويل، أصبحت أكثر التباسا.
لكن كيف يمكن تقنين هذا الفضاء دون المساس بحرية التعبير؟ وكيف نحمي المجتمع من الشائعة دون أن نمنح السلطة حق التحكم في المعلومة؟ ثم كيف نحقق التوازن بين المدون، الذي يملك حق النشر والنقد، والمتلقي، الذي يملك حق الوصول إلى معلومة صحيحة، والشخص المعني، الذي يملك حق الدفاع عن نفسه وصون كرامته؟
إن الإجابة لا تكمن في الرقابة وحدها، ولا في ترك الفضاء الرقمي مفتوحا أمام كل أشكال التجاوز، بل في بناء ثقافة رقمية قوامها التربية الإعلامية، والتحقق من المصادر، واحترام قرينة البراءة، والتمييز بين المصلحة العامة والفضول الشخصي. كما تقتضي وجود آليات واضحة للتصحيح والاعتذار، وتطبيق القوانين بعدالة وتناسب، بحيث لا تتحول محاربة الأخبار الزائفة إلى وسيلة لتكميم الأفواه، ولا تتحول حرية النشر إلى حصانة من المساءلة.
أما المتلقي، فلم يعد معذورا في التعامل مع كل ما يصله بوصفه حقيقة مكتملة؛ إذ أصبح التثبت من الخبر مسؤولية فردية وجماعية. فمشاركة منشور مجهول المصدر قد تجعل صاحبه شريكا، من حيث لا يدري، في نشر أذى يصعب تداركه. والتوقف لحظة قبل الضغط على زر المشاركة قد يكون أحيانا فعلا أخلاقيا أبلغ من عشرات المنشورات التي تدعو إلى النزاهة والمسؤولية.
ولعل السؤال الأعمق الذي يفرضه هذا التحول ليس: من يملك سلطة النشر؟ بل: من يملك سلطة التمييز بين الحقيقة والشائعة، ومن يتحمل مسؤولية الكلمة حين تتحول إلى قوة اجتماعية؟ فالديمقراطية الرقمية لا تُقاس فقط بقدرة الجميع على الكلام، وإنما أيضا بقدرتهم على الإصغاء، والتحقق، وقبول الاختلاف، وتصحيح الأخطاء.
إن الفيسبوك مرآة للمجتمع بقدر ما هو أداة لإعادة تشكيله؛ يكشف تناقضاته، ويضخم انفعالاته، ويمنح أصواتا جديدة فرصة الحضور، لكنه قد يحول أيضا الغضب الجماعي إلى محكمة لا تعترف بالتريث ولا تمنح المتهم حق الدفاع. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي ليس في إضعاف هذه السلطة أو مصادرتها، بل في الارتقاء بوعي ممارسيها ومتلقيها، حتى تصبح قوة للمساءلة لا أداة للتصفية، ومنبرا للحقيقة لا سوقا للشائعات.
ففي زمن أصبحت فيه المسافة بين النشر والتأثير لا تتجاوز لحظات، لم يعد السؤال متعلقًا بما نستطيع قوله فحسب، بل بما ينبغي أن نقوله، وكيف نقوله، وما الذي قد تتركه كلماتنا في حياة الآخرين.
لأن الكلمة في العصر الرقمي قد تستغرق ثانية واحدة كي تنتشر، لكنها قد تحتاج إلى سنوات كي تمحى آثارها.
فاتحة أحمد يشو









