فضل شاكر يعود.. أم أننا نرى أنفسنا في مرآة الغياب؟

لم تكن مشاهدة فضل شاكر وهو يعود إلى الغناء مجرد لحظة فنية عابرة بالنسبة لي، ولم يكن التأثر الذي شعرت به مرتبطًا فقط بعودة صوت أحببناه يومًا، بل كان وراء المشهد سيل من الأفكار والمشاعر المتناقضة، التي تأخذك في كل مرة إلى زاوية مختلفة، وتجعلك ترى ما هو أبعد من مطرب يقف أمام جمهوره بعد سنوات طويلة من الغياب.
كان هناك شيء لافت في ملامحه؛ إرهاق السنين واضح، والتعب ترك أثره، وكأن العمر مرّ عليه محمّلًا بما يكفي من الحكايات والأزمات، لكنه في الوقت نفسه احتفظ بملامح تحمل شيئًا من صورته القديمة التي استقرت في ذاكرتنا منذ سنوات الشباب.
وكانت هناك دهشة المواجهة، تلك اللحظة التي يبدو فيها الفنان وكأنه يحاول استيعاب حقيقة أنه يقف مجددًا أمام جمهوره، وأن كل هذا الحب الذي تركه خلفه لم يتلاشَ مع الوقت. تصفيق الناس وتشجيعهم بدوا وكأنهما يحملان رسالة أكبر من مجرد الترحيب بمطرب عاد إلى الأضواء؛ رسالة تقول إن بعض الأماكن تظل محفوظة في الذاكرة، وإن الغياب، مهما طال، لا يمحو دائمًا ما تركه الإنسان في قلوب الآخرين.
أما صوته، الذي بدا وكأنه لم يستعد بعد إيقاع الحفلات وأجواء الوقوف أمام الجمهور، فقد حمل شيئًا من صوته القديم، ذلك الصوت الذي ارتبط لدى كثيرين بذكريات ومراحل كاملة من حياتهم. لم يكن المشهد مثاليًا، وربما لم تكن كل التفاصيل كما اعتدناها منه، لكن ما لفتني أن الإحساس ظل حاضرًا، وأن تلك الرقة التي ميزت صوته وأداءه لم تختفِ تمامًا.
حتى ملامح وجهه الجامدة نسبيًا، وابتسامته الخفيفة التي تظهر بين الحين والآخر، كانتا جزءًا من مشهد يصعب النظر إليه باعتباره عودة فنية فحسب. شعرت وكأننا أمام إنسان يحاول استعادة جزء من نفسه، بعد رحلة طويلة لم تكن سهلة، وأمام روح أنهكتها التجارب، لكنها لم تفقد تمامًا قدرتها على الإحساس.
وهنا بدأت أرى المشهد من زاوية مختلفة تمامًا
رأيت فيه صورة الإنسان الذي مرّ بتجارب تركت أثرها عليه، والذي لم يعد كما كان في البدايات، لكنه لا يزال يحاول الوصول إلى الجزء الذي يعرفه من نفسه. رأيت التناقض الذي نعيشه جميعًا؛ أن نكبر ونتعب، وأن تترك الأيام علامات واضحة علينا، بينما تظل بداخلنا أشياء صغيرة لم تستطع السنوات انتزاعها منا.
ربما لا نعود أبدًا إلى نسختنا الأولى، وربما لا نستطيع استعادة كل ما فقدناه، لكننا نكتشف أحيانًا أن بعض ما ظنناه انتهى لا يزال حيًا في داخلنا، ينتظر فرصة ليظهر من جديد.
ولهذا أعتقد أن تأثر الجمهور بعودة فضل شاكر لا يمكن تفسيره فقط بالحنين إلى أغانيه، أو بالفرحة برؤية فنان محبوب يعود إلى الغناء. هناك حنين أعمق من ذلك؛ حنين إلى زمن كنا فيه أكثر خفة، وإلى مشاعر عشناها بصدق، وإلى أحلام ربما لم تتحقق، لكنها ظلت جزءًا من تكويننا وذاكرتنا.
نحن لا نستمع إلى الأغاني وحدها، بل نستعيد معها أشخاصًا كناهم، وأماكن عشنا فيها، ومواقف تركت أثرًا فينا، ونسخًا قديمة من أنفسنا لم نعد نراها كثيرًا في زحام الحياة.
ومن هنا، تصبح عودة الفنان أحيانًا مناسبة لاستعادة شيء من ذاكرتنا الشخصية والجماعية، وكأن صوته يفتح بابًا أغلقناه منذ سنوات، فنجد خلفه عمرًا كاملًا من الحكايات
ربما لم تكن عودة فضل شاكر هي الحكاية كلها، بل كانت الحكاية التي أعادتنا للحظات إلى أنفسنا.
فبعض الغائبين، حين يعودون، لا يعيدون إلينا أصواتهم فقط، بل يعيدون إلينا زمنًا كاملًا كنا نظن أنه مضى ولن يعود









