هذا الموقع يتطلب تشغيل JavaScript للعمل بشكل صحيح. رجاءً قم بتمكين JavaScript في المتصفح.
الثلاثاء، ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ - ١٧ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ - ١١:٤٩ القاهرة
هيئة التحرير

رئيس مجلس الادارة

عبد المنعم سالم

رئيس التحرير

نجوي يوسف

فن وثقافة

بقلم .فاتحة أحمد يشو-الرشيدية

طوق نجاة بنكة الموت

img_preview
كتب : خاص احتواء الاثنين، ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٤:٢٤
مشاركة :
whatsapp facebook twitter

لم يكن طوق نجاته حلما يمتطي صهوته ليعبر به نحو المجهول، ولا تأشيرة سفر إلى عالم وردي، ولا وظيفة تحفظ كرامته وتمنحه راتبا محترما يقيه شر السؤال. لم يكن يحلم بقصر ولا بسيارة فارهة، ولم تكن مطالبه تتجاوز حياة عادية، تشبه حياة الآخرين الذين يمرون بجانبه دون أن يلتفتوا إلى انكساراته.

كان كل ما يحتاجه فرصة صغيرة ليشعر بأنه ما يزال حيا.

لكن الحياة، حين تضيق بأبنائها، لا تترك لهم نافذة أمل؛ تحاصرهم أحيانا حتى لا يعودوا يرون سوى الجدران....

في تلك الليلة، كان سمير يتشبث بأعلى عمود من أعمدة الإنارة، في شارع تجمهر فيه العشرات. أسفل قدميه، كانت السيارات تتوقف تباعا، والهواتف ترتفع لالتقاط مشهد جديد يصلح للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما كانت أصوات الشرطة ورجال الوقاية المدنية تتعالى مطالبة إياه بالنزول.

كان الليل باردا، والريح تعبث بثيابه الرثة بينما بدا جسده النحيل معلقا بين السماء والأرض، كأنه لم يعد ينتمي إلى أي منهما.

صرخ أحدهم من بين الحشد:

— انزل يا سمير الحياة ما زالت أمامك!

ضحك ضحكة ساخرة، ثم أطلق صوته المبحوح:

— أي حياة تتحدثون عنها؟ هل سيمنحني أحدكم عملا؟ هل سيدفع عني ثمن الكراء؟ هل سيعيد إلي ما تبقى من كرامتي؟

ساد صمت ثقيل. تبادل الواقفون النظرات، وانشغل بعضهم بهواتفهم، بينما واصل آخرون تقديم النصائح التي لم يسمعها سمير إلا مرات لا تحصى. كان يعرف أن الموت ليس حلا، لكنه لم يعد يرى في الحياة ما يستحق أن يقاتل من أجله.

كان شابا عاطلا، طحنه الفقر، وأتعبه الانتظار، وابتلع الإدمان ما تبقى من قوته. كلما طرق بابا بحثا عن عمل، عاد بخيبة جديدة، وكلما حاول انتشال نفسه من الوحل، وجد الوحل أكثر التصاقا به. ومع مرور الأيام، صار اليأس رفيقه الوحيد، وصارت المخدرات والكحول مسكنين مؤقتين لوجع لم يجد له طبيبا.

أما تلك الليلة، فقد طفح الكيل.

لم يصعد سمير العمود بحثا عن الشهرة، ولم يكن يريد أن يصبح بطلا في مقاطع مصورة تتناقلها الصفحات. كان يريد فقط أن يصرخ في وجه عالم لم يسمعه، وأن يضع حدا لحياة شعر أنها لفظته قبل أن يمنحها فرصة ليعيشها.

وبينما كان رجال الوقاية المدنية يحاولون إقناعه بالتراجع، شق صوت مألوف ضجيج الحشد. كانت حبيبته تشق طريقها بصعوبة بين الواقفين، تتعثر بين الأكتاف المزدحمة، وتصرخ باسمه كأنها تخشى أن يسبقها الموت إليه.

سمير.. سمير انظر إلي! أنا هنا!

التفت نحوها. ارتجفت فرائصه، وانطفأ شيء في عينيه، ثم عاد ذلك البريق الغريب الذي يسبق أحيانا الانكسار الأخير.

كانت تعرفه أكثر من الجميع؛ تعرف نقاط ضعفه، وتعرف ما يستطيع أن ينتزعه من حضيضه، ولو لساعات قليلة. لم تحمل إليه وعدا بوظيفة، ولا بشقة صغيرة تجمعهما، ولا بحياة كريمة ينتظرها منذ سنوات. لم تكن تملك سوى ما اعتادا اللجوء إليه كلما اشتدت بهما قسوة الواقع.

رفعت علبة دخان في يد، ولوحت بقنينة جعة في اليد الأخرى، ثم صاحت:

— انزل، يا سمير! لقد أحضرت لك ما تحب. سنذهب إلى مكاننا المعهود، بعيدا عن هؤلاء جميعا. سنقضي ليلتنا كما كنا نفعل، ولن أتركك وحدك بعد اليوم !

تردد قليلا. نظر إلى القنينة، ثم إلى وجهها الشاحب، ثم إلى الفراغ الممتد تحته. كان في وسعه أن يسمع صراخ الناس، وصفارات سيارات الإسعاف، ونداءات الشرطة، لكن صوتها وحده تسلل إلى داخله، إلى تلك المنطقة المعتمة التي لم تعد تصل إليها كلمات الأمل.

شيئا فشيئا، بدأ يتراجع عن حافة قراره. مد يده المرتجفة نحو رجال الإنقاذ، الذين تمكنوا أخيرا من مساعدته على النزول.

ما إن لامست قدماه الأرض حتى انفجرت الحناجر بالتصفيق، وتعالت عبارات الحمد والارتياح. تنفس الجميع الصعداء، وهرع بعضهم لتهنئة رجال الوقاية المدنية، فيما انشغل آخرون بمراجعة المقاطع التي صوروا.

أما سمير فكان واقفا وسط الحشد، شاحبا، صامتا، كأنه لم ينج من الموت بقدر ما عاد من رحلة قصيرة إليه.

اقتربت منه حبيبته، وأمسكت بيده. لم يسألها عن الغد، ولم تسأله هي عما دفعه إلى الصعود. سارا معا بعيدا عن الأضواء، بينما كان بعض المتفرجين يروون الحادثة بوصفها نهاية سعيدة.

لكن هل كانت سعيدة حقا؟

في طرف المدينة، حيث تنتهي الشوارع المعبدة وتبدأ الأزقة التي لا تتذكرها الخرائط ، جلس سمير في حضن حبيبته. أخرجت علبة الدخان، وفتحت قنينة الجعة، ثم ابتسمت له كأنها أعادته من رحلة لم يكتب لها أن تكتمل.

أشعل سيجارته ، وارتشف جرعته، وشعر بأن شيئا من ثقله قد خف. لم يكن ذلك فرحا، بل هدنة قصيرة بينه وبين ألمه؛ هدنة يعرف، في مكان ما من روحه، أنها لن تدوم.

كانت المدينة قد نامت مطمئنة إلى أن شابا آخر عدل عن الانتحار، وأن الحياة انتصرت في معركة جديدة. لكن أحدا لم يسأل عما سيحدث لسمير في الصباح، حين تنفد السجائر، وتفرغ القنينة، وتغادره حبيبته، ويعود إلى غرفته الباردة، وإلى بطالته الطويلة، وإلى السؤال نفسه الذي دفعه إلى أعلى العمود.

ماذا بعد؟

لم تكن علبة الدخان وظيفة، ولم تكن قنينة الجعة كرامة، ولم تكن الليلة الحمراء سوى ستار رقيق يخفي وراءه هاوية أعمق.

لقد أنقذته حبيبته من السقوط، لكنها لم تستطع أن تنقذه من الأسباب التي دفعته إلى حافة الموت.

وفي الصباح، حين انتشرت صورته على مواقع التواصل الاجتماعي تحت عناوين من قبيل «شاب يحاول الانتحار والسلطات تنجح في إنقاذه»، كان سمير قد عاد إلى وحدته، يحدق في سقف غرفته، ويدخن سيجارته الأخيرة.

لم يكتب أحد عن العمود الذي صعده، ولا عن الجوع الذي رافقه، ولا عن الأبواب التي أغلقت في وجهه، ولا عن الأحلام التي ماتت داخله قبل أن يفكر في إنهاء حياته.

لقد احتفلوا بنجاته، ولم يسألوا عن حياته.

فعلا لقد نزل سمير من أعلى عمود الإنارة، لكنه لم ينزل من قاع اليأس. نجا جسده من السقوط، وظلت روحه معلقة هناك، بين رغبة في العيش وعجز عن احتمال الحياة.

كان له طوق نجاة، نعم؛ لكنه لم يكن حلما، ولا عملا، ولا يدا تمتد إليه لتنتشله من الفقر والإدمان.

كان علبة دخان حقيرة، وقنينة جعة في طريقها إلى النفاد.

تلك هي المأساة: أن يجد الإنسان ما يعيده إلى الحياة، دون أن يجد ما يجعله يرغب في البقاء فيها...

فاتحة أحمد يشو.

آخر الأخبار
اعلن معنا
Ehtwaa_logo

احتواء نيوز هي منصتكم الأولى التي تجمع بين أخبار العالم , اقتصاد , سياسة , الصحة النفسية، والتربية الخاصة ، واللايف كوتشينغ ، في رؤية متكاملة تعزز نمو الإنسان ورفاهيته على المستويات كافة

اتصل بنا

العنوان : حدائق الأهرام - البوابة الأولي
الهاتف : 01556650744
الايميل : ehtwaanews@gmail.com
إشترك معنا بالنشرة الإخبارية
كن على اتصال معنا

الموقع الجغرافى :

© 2025 احتواء نيوز - EhtwaaNews. جميع الحقوق محفوظة.