مملكة المغرب- فاتحة أحمد يشو
بين تطور اللغة وانحدار الذوق: مفارقة الخطاب في زمن التحول

بين تطور اللغة وانحدار الذوق: مفارقة الخطاب في زمن التحول
تعدّ اللغة كائنا اجتماعيا حيا يتغير مع الزمن،كما وصفها فرديناند دي سوسير :
"اللغة نظام من العلامات يتطور داخل المجتمع".و يتشكل باستمرار وفق تحولات النسق الثقافي وتبدلات الوعي الجمعي، فتتغير دلالاتها، وتستحدث مفاهيم جديدة، بينما تتوارى أخرى في هامش الاستعمال. غير أن هذا التطورالذي يقدّم غالبا بوصفه دليلا على حيوية المجتمعات وانفتاحها، يطرح في واقعنا اليوم تساؤلات عميقة حول حدوده ومعاييره، خاصة حين نصطدم بمظاهر لغوية لا توحي بالارتقاء، بل بانزلاق واضح في الذوق العام.
ففي شوارعنا، لم يعد الخطاب اليومي مجرد وسيلة للتواصل، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى فضاء تستباح فيه اللغة، حيث يغدو الكلام النابي مألوفا، بل ومتداولا بشكل عادي، خاصة بين فئة الشباب. هذا التحول لا يقف عند حدود التداول الشفهي، بل يمتد إلى مجالات التعبير الفني، حيث أضحت كلمات كنا نعدّها إلى وقت قريب مخلة بالحياء، تلحّن وتغنّى على المسارح، وتقدّم في قوالب فنية تحظى بالانتشار والترويج.
واللافت في هذا السياق، أن كل محاولة لانتقاد هذه الظواهر تواجه باتهامات جاهزة: رفض الحداثة، الانغلاق، أو العجز عن فهم لغة الجيل الجديد. وكأن الدفاع عن نقاء اللغة أو على الأقل عن حد أدنى من اللياقة التعبيرية، صار موقفارجعيا، لا ينسجم مع روح العصر. هنا تتبدى المفارقة بوضوح: هل يعني الانفتاح أن نتخلى عن معايير الذوق؟ وهل يقتضي التجديد أن نشرعن كل أشكال التعبير مهما كانت صادمة أو مبتذلة؟
لا شك أن الماضي لم يكن مثاليا بما يكفي ،ولم تخل لغته من شوائب أو انزلاقات، غير أنه –في كثير من تجلياته– كان محكوما بسياقات تضبط الاستعمال، وتمنح للكلمة وزنها داخل المجتمع. أما اليوم، فقد تراجعت هذه الضوابط، في ظل هيمنة منطق السرعة، وانتشار وسائل التواصل، وسعي بعض أشكال التعبير الفني إلى إثارة الانتباه بأي وسيلة، ولو على حساب القيم الجمالية والأخلاقية.
إن الإشكال، في جوهره، لا يكمن في تطور اللغة في حد ذاته، بل في طبيعة هذا التطور واتجاهه. فالتطور الحقيقي هو الذي يثري المعجم، ويوسّع آفاق التعبير، ويمنح الإنسان قدرة أعمق على التواصل، لا الذي يفرغ اللغة من بعدها الرمزي والجمالي، ويختزلها في عبارات صادمة أو مبتذلة.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة التفكير في علاقتنا باللغة، لا بوصفها مجرد أداة، بل كمرآة تعكس مستوى وعينا وذوقنا الجماعي. فالتجديد لا يعني القطيعة مع القيم، كما أن الحفاظ على الرقي لا يتعارض مع الانفتاح، بل يشكل شرطا من شروطه. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي هو تحقيق توازن ينصت لتحولات الحاضر، دون أن يفقد صلته بجماليات اللغة وعمقها الثقافي.
واختم كلامي بقولة ليونارد بلومفيلد:
"اللغة في تغير دائم، ولا وجود للثبات المطلق فيها".
ا.فاتحة أحمد يشو









