أسرع بي العمر وأنا أظنني أتحرك... بقلم .ا. فاتحة أحمد يشو

ما أسرع خطى العمر، وما أشدّ وطأة السنوات حين نمضيها ونحن نظن أننا نتحرك، بينما قد نكون، في حقيقة الأمر، ما زلنا واقفين في أماكننا، نراوح بين أحلام لم تكتمل، ومعارك لم تنتهِ، وأسئلة لا تكفّ عن مطاردتنا. أجدني أحيانًا أتأمل مسيرتي، فأرى امرأة تكتب، وتناضل بحرفها، وتحاول أن تخلخل بعض الأعراف المتوارثة التي اختزلت وجود المرأة في تأثيث البيت، وطاعة لا يناقشها عقل، وامتثال بعيون مغمضة، وكأن التفكير المستقل خروج عن النص، وكأن للمرأة أن تعيش وفق ما رُسم لها سلفا، لا وفق ما تؤمن به وتطمح إليه.
أكتب لأنني أؤمن بأن الكلمة ليست موهبة جوفاء ولا وسيلة لاستمالة المتلقي، بل مسؤولية أخلاقية وموقف إنساني. أكتب لأنني لا أريد أن أكون شاهدة صامتة على اختلالات المجتمع، ولا أن أكتفي بوصف العالم من نافذة ضيقة، بينما تتسع في الخارج دوائر الظلم والتهميش والإقصاء. أكتب لأنني أؤمن أن الوعي أول أشكال التحرر، وأن المجتمعات لا تتقدم حين تحسن تزيين واقعها، بل حين تمتلك الشجاعة الكافية لمساءلته.
لقد علّمتني الحياة أن المعركة الحقيقية ليست نضالا في الشوارع والساحات فحسب، بل قد تبدأ من العقول، حيث تتوارث الأفكار سلطتها، وتتحول العادات، مع مرور الزمن، إلى ما يشبه القوانين غير المكتوبة التي يُمنع الاقتراب منها أو التشكيك فيها. وكم من فكرة ظالمة احتمت بعبارة «هكذا وجدنا آباءنا»، وكم من امرأة أُخرص صوتها باسم الحشمة أو الطاعة أو الحفاظ على صورة العائلة، حتى صدّقت أن أحلامها عبء، وأن أسئلتها تمرد، وأن حقها في الاختيار امتياز لا تستحقه إلا بإذن الآخرين.
ومع ذلك، لا أنكر أنني كثيرا ما أشعر بأنني نشاز وسط بعض الدوائر التي أنتمي إليها. أجلس بين النساء، وأشاركهن أطراف الحديث في مناسبات اجتماعية مختلفة، فأجدني أحيانا بعيدة عن اهتمامات تستغرق معظم الوقت؛ آخر مستجدات الموضة، وألوان الأثاث، وأثمنة الذهب، وتفاصيل الزينة وما يتصل بها من مظاهر الحياة اليومية. لا أرى في هذه الاهتمامات عيبا في ذاتها، ولا أنتقص من حق المرأة في الاعتناء بجمالها وبيتها، واقتناص لحظات الفرح في تفاصيل حياتها الصغيرة فالجمال حق، والبيت فضاء للمودة والسكينة، والاهتمام بالنفس ليس نقيضا للوعي. لكن ما يؤرقني هو أن تصبح هذه التفاصيل، لدى بعضهن، حدودا نهائية للعالم، وسقفا لا تتجاوزه الأسئلة، ولا تنفذ من خلاله هموم المجتمع والإنسان.
أجدني، في تلك اللحظات، أبحث عن مساحة أخرى للحوار مساحة تتسع للحديث عن السوسيولوجيا، والتحولات الاجتماعية، والحراك السياسي، والأنثروبولوجيا الثقافية، وعن أثر الموروث في تشكيل وعينا وسلوكنا، وعن علاقة الفرد بالبنيات الاجتماعية التي تحكم حياته. أبحث عن حديث يتجاوز ما نرتديه إلى ما نفكر فيه، وما نقتنيه إلى ما ننتجه، وما نملكه من أشياء إلى ما نحمله من أفكار ومواقف. أريد أن أعرف كيف تتشكل العقليات، وكيف تستمر بعض أنماط الهيمنة تحت غطاء العادة، وكيف يمكن للمرأة أن تنتقل من موقع المتلقي لما يُقرَّر عنها إلى موقع الفاعل الذي يشارك في صناعة القرار وتوجيه مسار المجتمع.
ولعلّ ما يجعل الهوة تبدو شاسعة بيني وبين بعض النساء هو اختلاف بوصلة الاهتمام، لا اختلاف القيمة الإنسانية. فليست المرأة التي تنشغل ببيتها وأبنائها أقل شأنا من المرأة التي تتابع قضايا المجتمع، كما أن امتلاك المصطلحات الأكاديمية لا يمنح أحدا شهادة التفوق الأخلاقي أو الفكري. قد تحمل امرأة بسيطة من الحكمة والوعي ما تعجز عنه الكتب، وقد تختبئ خلف لغة المثقفين أسئلة لم يجرؤ أصحابها على مواجهتها. لذلك لا أريد أن أحوّل اختلاف الاهتمامات إلى جدار من التعالي، ولا أن أزعم أنني أمتلك الحقيقة وحدي؛ إنما أتساءل، بصدق، عن المسافة التي تفصل بين انشغال الإنسان بدائرته الخاصة، وانشغاله بما يتجاوز حدودها إلى دوائر المجتمع والوطن والإنسانية.
إنني أؤمن بأن الثقافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الكتب التي نقرأها، ولا بالمفاهيم و المصطلحات التي نوظفها في المجالس، بل بقدرتنا على رؤية ما وراء الظواهر، وفهم الإنسان في سياقه، والانتصار لكرامته حين تُنتهك، والإصغاء إلى صوته حين يُهمَّش. فالمعرفة التي لا توسّع مساحة التعاطف في داخلنا تظل معرفة ناقصة، والثقافة التي لا تجعلنا أكثر إنصافًا وتواضعًا قد تتحول إلى زينة أخرى، لا تختلف كثيرًا عن زينة المظاهر التي ننتقدها.
وإذا كانت المرأة الأولى، كما أتصورها في تأملاتي، تنام قريرة العين حين تطمئن إلى سعادة من حولها، فإن امرأة مثلي يصعب عليها أن تنام مطمئنة ما دامت ترى في محيطها شابا عاطلا يطارد فرصة عمل فلا يجدها، وأمًّا تكابد لتوفير أبسط شروط العيش لأبنائها، وامرأة تُقهر باسم العرف، وطفلا يُحرم من حقه في التعليم والحماية، وإنسانًا تُسلب كرامته بسبب فقره أو اختلافه أو ضعف صوته. ليست هذه الهموم رغبة في الحزن، ولا بحثًا عن دور البطولة في قضايا الآخرين، وإنما هي ذلك القلق الذي يولد حين يتجاوز الوعي حدود الذات، ويصبح الإنسان عاجزا عن اعتبار ما يحدث بعيدًا عنه شأنًا لا يعنيه.
لقد أدركت، مع مرور الوقت، أن اتساع دائرة الاهتمام لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تغيير كل شيء، وأن حمل هموم الآخرين قد يكون مرهقا خصوصا حين تصطدم النوايا الطيبة بواقع معقد، وتبدو الخطوات الصغيرة عاجزة عن مجاراة حجم الاختلالات. لكنني تعلمت أيضا أن العجز عن إصلاح العالم كله لا يعفينا من مسؤولية إصلاح ما نستطيع، وأن الكلمة الصادقة، وإن لم تغيّر الواقع دفعة واحدة، قد توقظ سؤالا ، أو تزعزع قناعة جامدة، أو تمنح شخصا ما همة وشجاعة التعبير عن نفسه.
ولعلّني، في خضم هذا كله، أحتاج أحيانًا إلى أن أسأل نفسي: هل تحركت حقا أم أنني اكتفيت بوهم الحركة؟ هل أضافت كتاباتي شيئًا إلى الوعي الذي أدافع عنه؟ هل استطعت أن أجعل من قلمي جسرًا نحو الآخرين، أم أنني كنت أكتب أحيانا داخل قوقعة ممن يشاركونني الرأي أصلا وهل يكفي أن أحمل هموم الناس في قلبي، أم أن علي أن أبحث باستمرار عن سبل أكثر فاعلية لتحويل هذا الانشغال إلى أثر ملموس؟
إنها أسئلة لا أطرحها من باب جلد الذات، بل من باب محاسبتها؛ لأن أخطر ما قد يصيب الإنسان أن يظن أنه بلغ غايته لمجرد أنه اختار طريقا مختلفا فالنضال ليس صفة نمنحها لأنفسنا، والثقافة ليست وساما نعلقه على صدورنا، والوعي ليس ادعاء نواجه به الآخرين، وإنما هي مسؤوليات تتجدد كلما اكتشفنا أننا لا نعرف بما يكفي، أو أننا أخطأنا التقدير، أو أن الطريق الذي اخترناه يحتاج إلى مراجعة.
وكما قال سقراط: «اعرف نفسك». ولعلّ معرفة الذات تبدأ حين نكفّ عن مقارنة أنفسنا بالآخرين بحثًا عن الأفضلية، ونبدأ بمساءلة ما نحن عليه، وما نفعله، وما نتركه من أثر. أما برتراند راسل، فقد ربط قيمة الحياة بقدرتنا على تجاوز الأنانية الضيقة والانفتاح على ما هو أوسع من مصالحنا المباشرة. وفي هذا المعنى، لا تكون قيمة الإنسان في مقدار ما يملكه أو في الصورة التي يصنعها عن نفسه، بل في قدرته على أن يرى العالم بعينين لا تحجب عنهما مصلحته الخاصة آلام الآخرين.
أريد أن أعيش حياة لا أكتفي فيها بإحصاء السنوات، بل أبحث عن أثرها في داخلي وفيمن حولي. أريد أن أظل قادرة على التعلم، وعلى مراجعة أفكاري، وعلى الاعتراف بأنني قد أكون مخطئة، مثلما أريد أن أظل متمسكة بحق المرأة في أن تفكر، وتختار، وتشارك في بناء مجتمعها دون أن تُحاصرها القوالب الجاهزة. لا أريد أن أستبدل وصاية بأخرى، ولا أن أطالب النساء بالتحرر من أحكام المجتمع ثم أحاكمهن أنا وفق تصوري الخاص لما ينبغي أن يكنّ عليه.
فلكل امرأة حكايتها، ولكل واحدة معاركها التي قد لا نراها، وأحلامها التي قد لا تجد الكلمات المناسبة للتعبير عنها. غير أنني أتمنى أن تتسع أحلامنا جميعًا، وألا تنتهي طموحاتنا عند حدود ما نملكه أو نرتديه أو نؤثث به بيوتنا، بل تمتد إلى ما نتركه من قيم، وما نمنحه من فرص، وما نشارك فيه من بناء، وما ندافع عنه من حقوق وكرامة إنسانية.
وإذا كان لا بد من أمنية أختصر فيها كل ما أحمله من قلق وأمل، فهي أن أرى وطني بخير، وأبناءه بخير، وأن تتسع مساحة العدل فيه، وأن يجد الشباب أبوابا مفتوحة نحو المستقبل، وأن تعيش المرأة كرامتها كاملة، وأن يصبح الاختلاف مصدرا للغنى لا ذريعة للإقصاء، وأن تنعم الإنسانية بقدر أكبر من الرحمة والإنصاف.
عندها فقط، أشعر أنني لم امكث طويلا في مكاني وأن الكلمات التي كتبتها لم تكن مجرد حروف تعبر الشاشة أو تتناثر في فضاء النشر، بل خطوات صغيرة في طريق طويل طريق لا أزعم أنني أملك نهايته، لكنني أصرّ على مواصلته ما دام في العمر متسع، وفي القلب نبض، وفي الحرف قدرة على أن يقول: إن الإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، وإن أجمل ما يمكن أن يتركه وراءه ليس أثر خطواته على الأرض فحسب، بل أثره الطيب في حياة الآخرين.
فاتحة أحمد يشو









