«كأنني هي.. حين ضاعت ملامحي في الطريق إلى الحرية» بقلم ذ.فاتخة أحمد يشو

اختارت زوجة شابة أن تروي حكايتها خلف الميكروفون باسم مستعار. سأسمّيها هناء؛ اسما يشبه المفارقة، إذ لم يكن في حكايتها من الهناء إلا ما تخيلته يوما خلاصا من حياة ضاقت بها.
تقول هناء:
عشت طفولتي كما تعيشها معظم الفتيات المنتميات إلى أسر محدودة الدخل. كان أبي جنديا بسيطا وكانت أمي خياطة تكابد مشقة الأيام لتسدّ بعض حاجات البيت. كنت الابنة الوسطى بين أختين؛ الكبرى تزوجت، والصغرى ما تزال تتابع دراستها في السنة الثالثة إعدادي.
لم أكن متفوقة في دراستي، بل كنت تلميذة متوسطة، لا أحمل من الطموح إلا ما تسمح به حدود عالمي الصغير. لم تكن لي أحلام كبيرة، أو ربما لم أكن أعرف كيف أحلم خارج الأسوار التي نشأت بينها.
اختصرت مستقبلي في الزواج، واعتبرته بابا سحريا للخروج من رقابة أبي وأمي، ومن ذلك الشعور الخانق بأن حياتي ليست ملكي. لم يكن والداي يسمحان لي بالخروج مع صديقاتي كما تفعل قريناتي، وكانت أوامر أبي تشبه الأوامر العسكرية في ثكنة لا يسمح فيها بالنقاش أو الاعتراض.
منذ بدأت ملامح أنوثتي تتفتح، فرض عليّ الحجاب، ولم يكن لنا أن نسأله عن السبب؛ فالكلمة عنده أمر، والطاعة واجب لا يقبل التأويل.
كنت أظن أن الزواج سيمنحني ما افتقدته من حرية، ولم أكن أدرك أن بعض الأبواب التي نفتحها هربا من القيد قد تقودنا إلى أقفاص أكثر اتساعا وأشد قسوة.
كنت أتابع دراستي في السنة الثانية من البكالوريا حين زارتنا جارتنا وصديقة أمي، الخالة رحمة، العائدة من ديار المهجر بعد أربع سنوات قضتها عند ابنها أحمد في أمريكا.
دخلت عليها حاملة صينية الشاي والحلوى، وما إن رفعت عينيها نحوي حتى رمقتني بنظرة طويلة، كأنها تتفحص بضاعة ثمينة. شعرت بحرج شديد، وكدت أتعثر بالصينية.
التفتت إلى أمي قائلة:
ـ ما شاء الله! هناء كبرت وأصبحت عروسا، وألف واحد يتمنى الارتباط بها.
أجابتها أمي بابتسامة خجولة:
ـ ما تزال تدرس، ولكن إذا وجدنا عريسا نثق به، فلم لا؟
كانت أمي تعرف، على ما يبدو، أن صديقتها تلمّح إلى ابنها أحمد، الذي تجاوز الثلاثين وما يزال أعزبا
قاطعتها الخالة رحمة، وهي تخفض صوتها:
ـ دعيني أهمس لك، يا صديقتي. ابنتك هناء فاتنة، وأحمد كلما فاتحته في أمر الزواج تهرب. لكنني سأحاول إقناعه هذه المرة، وسأقترح عليه هناء، إن لم يكن لديها مانع من الزواج بابني.
ثم رفعت بصرها إليّ، تستشف من ملامحي جوابا لم أنطق به، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة.
أما أنا، فقد كان عقلي قد سبقني إلى أمريكا.
أحمد شاب وسيم، يعيش في بلاد الأحلام، وربما كان بمقدوره أن ينتشلني من رتابة حياتي، ويمنحني الحرية التي طالما حلمت بها. لم أسأل عن طباعه، ولا عن أفكاره، ولا عن معنى أن أعيش مع رجل لا أعرف عنه سوى صورته البعيدة.
كان يكفيني أن يكون الطريق إلى الخارج مفتوحا
مرت الأيام أسرع مما توقعت، حتى وجدت نفسي زوجة أحمد، أقيم معه تحت سقف واحد بعد حفل زفاف ضخم بدا لي أشبه بحكايات الخيال. تكفلت حماتي بكل تفاصيله، وانتقت لي الهدايا الفاخرة، وأغدقت علي من مظاهر الثراء ما جعلني أشعر أنني انتقلت فجأة من هامش الحياة إلى واجهتها.
منذ الأيام الأولى، طلب مني أحمد نزع الحجاب. لم أخف سعادتي، فقد بدا لي الأمر أول انتصار صغير على القيود التي لازمتني منذ طفولتي.
صار يشتري لي الفساتين والتنورات القصيرة، ويتركني أخرج متى أشاء، دون أن يسألني أين أذهب أو مع من أكون. لم تكن الغيرة جزءا من قاموسه، وكنت أفسر ذلك بأنه متشبع بثقافة الغرب، ومتحرر من الأفكار التقليدية التي نشأت عليها.
لم أكن أعرف أن الحرية التي لا يرافقها احترام قد تتحول إلى شكل آخر من أشكال الإهانة.
كان أحمد مدمنا على الخمر، وكثيرا ما ألحّ عليّ أن أشاركه الشرب. قاومت في البداية، ثم استسلمت تحت ذريعة الحفاظ على بيتي وزواجي. كنت أقول لنفسي إنني لست مستعدة للتضحية برجل يغدق عليّ الهدايا، ويمنحني حرية الخروج، ويعفيني من أسئلة الرقابة التي عشتها في بيت أبي.
هكذا كنت أساوم على قناعاتي شيئا فشيئا، دون أن أنتبه إلى أنني أخسر نفسي في كل مرة.
حل شهر رمضان من سنتي الأولى معه. استيقظت ذات صباح، فوجدته جالسا يحتسي قهوته وينتشي سيجارته في أريحية تامة.
سألته بدهشة:
ـ ألست صائما؟
أجابني بهدوء:
ـ لا.
ثم أردف، وكأنه يخبرني بأمر عادي:
ـ أنا، يا حبيبتي، لست مسلما
تسمرت في مكاني، وانفرج فمي عن دهشة لم أجد لها كلمات.
أكمل حديثه بلا اكتراث:
ـ أنا لا ديني، ولو كنت سأعبد أحدا لعبدتك أنت!
ثم أطلق قهقهة ثقيلة، شعرت أمامها بأن شيئا في داخلي يتصدع.
ابتعدت عنه، وأكملت صيامي. صحيح أنني لم أكن مواظبة على الصلاة، لكنني لم أستطع أن أساوم على صيامي، ولا أن أتعامل مع ما أؤمن به بوصفه تفصيلا عابرا في حياتي.
كان ذلك أول شرخ حقيقي في الصورة التي رسمتها لزوجي.
في يوم العيد، زارنا أحد أصدقائه برفقة خليلته. جلسوا يتسامرون ويلعبون الورق، إلى أن تحولت اللعبة إلى رهان مقزز؛ من يفز يحق له، بحسب اتفاقهم، أن يقضي ليلة مع حبيبة الآخر.
كنت في المطبخ حين تسللت إلى مسامعي تفاصيل ذلك العبث.
ناديت أحمد، وواجهته بغضب لم أعهده في نفسي، وقلت له إنني سأغادر البيت إن سمح لذلك الرجل بالاقتراب منها.
في تلك اللحظة، أدركت أن الأمر لم يعد مجرد اختلاف في العادات أو المعتقدات، بل انهيار كامل لمعنى الزواج والاحترام والكرامة.
قررت أن أضع حدًا لهذه المهزلة، لكنني لم أواجهه بقراري. احتفظت بما يدور في داخلي، وبدأت أنتظر تسوية أوراقي، عازمة على طلب الانفصال.
كنت قد التحقت بتكوين في مجال التمريض، أحاول أن أستعيد شيئا من استقلالي، وأن أجد لنفسي طريقا لا يمر عبر أحمد.
لكن الحياة كانت تخبئ لي صدمة لم أكن أملك لها استعدادا..
في أحد الأيام، عدت إلى البيت قبل موعد رجوعي المعتاد. كنت أشعر بتعب مفاجئ، فقررت العودة للراحة.
فتحت باب غرفة النوم، فإذا بأحمد وصديقه المشؤوم على سريري، في وضعية لا تترك مجالا للشك أو التأويل.
تجمد الدم في عروقي.
اختنق الصوت في حلقي، وتعثرت الصرخة في مكان ما بين صدري وحلقي. شعرت كأن الأرض انسحبت من تحت قدمي، وكأن كل ما عشته معه لم يكن سوى مسرحية رديئة أُسدل ستارها فجأة.
أردت أن أصرخ، أن أحطم شيئا أن أسأله كيف استطاع أن يحوّل بيتي إلى هذا المشهد المبتذل.
لكنني لم أنطق بحرف.
اختصرت كلامي كله في نظرات حادة، نظرات لم تكن موجهة إليه وحده، بل إلى كل اختياراتي التي قادتني إلى هذه اللحظة.
تراجعت، ثم حملت حقيبتي التي تضم جواز سفري وبعض أغراضي.
وأنا أغادر، سقطت من الحقيبة صورة قديمة لي، كنت فيها تلميذة صغيرة، أرتدي حجابي الوقور، وأقف بملامح هادئة لا تعرف شيئا عن العالم الذي ينتظرها.
انحنيت والتقطتها.
تأملت وجهي طويلا كأنني أبحث عن فتاة ضاعت مني منذ سنوات.
كانت الصورة تشبهني، لكنها لم تكن أنا التي أقف الآن أمام المرآة.
همست لها، بصوت خافت يشبه الاعتراف:
ـ تشبهينني... كأنني هي.
ثم مضيت.
لم أكن أعرف إلى أين، لكنني كنت أعرف، للمرة الأولى، أن عليّ أن أعود إلى نفسي، ولو بعد أن فقدت الطريق إليها.
ذ.فاتحة أحمد يشو.









