هذا الموقع يتطلب تشغيل JavaScript للعمل بشكل صحيح. رجاءً قم بتمكين JavaScript في المتصفح.
الجمعة، ٢٦ يونيو ٢٠٢٦ - ١١ محرم ١٤٤٨ هـ - ٢٠:٥٨ القاهرة
هيئة التحرير

مدير النشر

عبد المنعم سالم

مدير التحرير

علاء ثابت مسلم

مقالات توعوية

الهجرة النبوية وأسس تآلف المجتمع الإسلامي والتعايش السلمي

img_preview
كتب : خاص احتواء الجمعة، ٢٦ يونيو ٢٠٢٦ في ١١:٠١
مشاركة :
whatsapp facebook twitter

كتب : ا. عبدالسلام محمد وحيد عمري

عندما قدم النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة ، كان همّه الأول أن يوطّد دعائم الدولة الإسلامية الناشئة ، فشهدت الأيّام الأولى من وصوله القيام بعدد من الخطوات المباركة والتي من شأنها أن تؤمّن مستقبلها ، وتحمي أرضها ، وتنظّم العلاقات بين أفرادها . وكانت أولى نسمات الخير التي أتت بها الهجرة المباركة ، بناء المسجد النبوي ، فبعد أعوام عديدة من حياة الخوف والقلق ، والمعاناة من الشدّة والتضييق ، والحرمان من المجاهرة بالشعائر التعبدية ، والاضطرار إلى الصلاة بعيداً عن أعين الناس في الشعاب والأودية ، أو خفيةً في البيوت ، إذا بهم يجدون حريّتهم الكاملة في أداء صلاتهم وإقامة شعائرهم دون خوفٍ أو وجل ، في بيوت الله تعالى . والمعروف أن تأسيس وبناء المسجد شارك فيه الرسول –صلى الله عليه وسلم- مشاركة فاعلة فهو القدوة الطيبة والأسوة الحسنة فرسول الله - صلى الله عليه وسلم – يشارك الصحابة رضي الله عنهم في نقل الحجارة وإنشاد الأشعار ، فثبت في صحيح البخاري أنه كان يردد :

اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة

وهذا العمل المجيد حرك الدافعية على العمل المتقن والحرص على سرعة الإنجاز وتسابق الجميع بهمة عالية وحماس وأخذوا يرددون أثناء نقل الحجارة والتراب والبناء بصوت واحد وهم على قلب رجل واحد :لئن قعدنا والنبي يعمل : لذاك منا العمل المضلل

إنه العمل الخالص لوجه والنوايا الصادقة التي تريد تحقيق الهدف السامي ألا وهو إعلاء كلمة الله في كل بقاع الأرض ، وبداية الانطلاق كانت من المسجد ،حيث اجتمع الرجال المؤمنون الصادقون ،على الذكر والطاعة ، والعمل والعبادة ،وسلامة الصدور من الأحقاد ، وحب الخير والبر والتقوى، ونشر العلم ، والترفع عن الدنايا ، والنظر إلى ما عند الله من جزاء وعطاء في الدار الآخرة ، قال الله تعالى :( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) سورة التوبة:108

قال القرطبي رحمه الله في قوله تعالى:(لمسجد أسس على التقوى) "أي بنيت جدره ورفعت قواعده على تقوى الله وطاعته من أول يوم ابتدئ في بنائه والأسس أصل البناء؛ وكذلك الأساس. والأسس وجمع الأس أساس؛ وجمع الأساس أسس. وجمع الأسس أساس. مثل سبب وأسباب. وقد أسست البناء تأسيسا.... ومعنى التقوى هنا الخصال التي تُتقى بها العقوبة،...ويدخل فيها كل خير ونفع للمسجد." وقال تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وأقام الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) ) النور 36: 38، وقال تعالى (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) الحج :40وببناء المسجد النبوي تحقّق للمسلمين حلمهم الكبير في الاجتماع للعبادة وذكر الله ، ولم يتوقّف دور المسجد عند هذا الحد بل صار موضعاً للحكم والقضاء، وإدارة الدولة وسياستها، ومنطلقا لقوافل الجهاد ، ومأوى للفقراء من أهل الصفّة ، ومنارة لتعليم القراءة والكتابة ، تشعّ أنوار الهدى حتى يومنا هذا .

لقد أراد الله أن تكون الهجرة حدا فاصلا بين عهدين وفرقانا بين الحق والباطل ،وفجرا أطل على الدنيا بعد ليل طويل حالك الظلام نثر على آفاقها النور والهدى والرشاد ،وأشرق في سمائها شمس العلوم والمعارف ،فقد تمكن المسلمون من تأدية العبادات والقيام بالتكاليف الشرعية والواجبات الاجتماعية والأعمال الدنيوية خير قيام

لقد عمل رسول على بناء الأفراد على تعاليم الإسلام ولنعلم أن بناء الأفراد وتكوين الشخصية على الأسس والمبادئ والقيم الإسلامية أساس في ترابط وتماسك ونجاح وتقدم المجتمع والدولة حيث القدرة على تحمل المسئولية والتحلي بخلق الإيثار والتخلي عن الأثرة وتقديم المصالح والتطلعات التي تهم المجتمع المسلم على المصالح الشخصية والعمل على نصرة الإسلام بتوجيه الطاقات والأعمال والإمكانات لخدمة الإسلام لذلك نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام ببناء الشخصية الإسلامية على الإيمان القوي والعقيدة الراسخة على مدى ثلاثة عشر عاما في مكة ، ومن مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمانية التربوية تخرج الصحابة رضي الله عنهم الذين نشروا الأرض عدلا من خلال الفتوحات الإسلامية وإظهار روح الإسلام العالية في التسامح والألفة والتعاون وتأهيل المسلم على تحقيق الإخاء بكل معانيه مع أخيه المسلم دون النظر إلى جنس أولون ،لذلك تحمل المسلمون المسئولية وأمانة الدعوة وقاموا عليها خير قيام ، لقد عمل الرسول على تنظيم صفوف المسلمين وتأكيد وحدتهم وترابطهم ،فربط بينهم برباط متين حيث قام صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وبعبارة أخرى المؤاخاة بين المسلمين ، وكان هذا العمل المجيد بعد بناء المسجد النبوي الشريف ،وانصهر المسلمون في بوتقة إيمانية واحدة ، إنها الأخوة الإيمانية التي هي أعلى درجات الإخوة ،والتي هي أقوى من أخوة النسب ، لقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار،فكان كل أنصاري وأخيه المهاجر أخوين في الله ،إنها قلوب ألف الله بينها حتى صارت شيئا واحدا في أجسام متفرقة ،إننا ندعو الله أن يوفق المسلمين في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن ظاهرة وباطنها والتي يحاول من خلالها أعداء الإسلام العمل على تفريق كلمة المسلمين وكسر شوكتهم والنيل منهم وسلب ممتلكاتهم وأموالهم وتشويش سمعتهم بلصق تهم منها الإسلام بريء،إننا اليوم في أمس الحاجة إلى المجتمع المسلم المترابط التماسك المتعاون المتآخي المتحاب العامل الناهض كمثل المجتمع الإسلامي الإيماني الذي أسسه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ، إن الإخاء الذي وثق أواصره النبي صلى الله عليه وسلم حيث قام الإخاء على المواساة والحق وأن يتوارثوا بعد الموت ، دون ذوي الأرحام ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " تآخيا في الله أخوين أخوين " ودام هذا الميراث إلى أن نسخه الله بقوله تعالى فى سورة الأحزاب (وَ أُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضهُمْ أَوْلى بِبَعْض في كتَبِ اللَّهِ ) سورة الأحزاب :6 ، قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في معني الإخاء "أن تذوب عصبيات الجاهلية ، فلا حمية إلا للإسلام ، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن ، فلا يتقدم أحد ولا يتأخر إلا بمروءته وتقواه ، وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة عقدا نافذا ، لا لفظا فارغا ، وعملا يرتبط بالدماء والأموال ، لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر ، وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمزج في هذه الأخوة ، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال "لقد قام الأنصار بعمل رائع وفريد في حياة البشرية ،حيث قدموا نصف أموالهم ومزارعهم ومساكنهم لإخوانهم من المهاجرين ، وكان هذا الفعل ترجمة حقيقية لخلق الإيثار الذي ربى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ، ولكن هذا السخاء والإيثار والمروءة قوبل من المهاجرين بالهمة العالية وعزة نفس ليس لها مثيل ودافعية على العمل والإصرار على الأكل من عمل اليد وعرق الجبين ،لقد أظهر الأنصار من الكرم والتسامح مع إخوانهم المهاجرين ما خفف عنهم آلام الغربة وعوضهم عن فراق الأهل والعشيرة حتى ليروى أن سعد بن الربيع الأنصاري عرض على أخيه عبد الرحمن بن عوف أن يشاطره ماله فأبى عبد الرحمن وطلب منه أن يدله على السوق ، وبدأ يبيع الزبد والجبن في سوق المدينة ، فنما ماله واتسعت ثروته وأصبح له قوافل تجارية عظيمة ، وصنع غير عبد الرحمن كما صنع عبد الرحمن ، فيسر الله عليهم وبارك لهم .

أما الخطوة الثالثة في تأسيس وبناء الدولة الإسلامية فكان ميثاق التحالف الإسلامي يقول الشيخ صفي الرحمن المباركفوري " وكما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقد المؤاخاة بين المؤمنين ، قام بعقد معاهدة أزاح بها كل ماكان من حزازات الجاهلية ، والنزعات القبلية ،ولم يترك مجالا لتقاليد الجاهلية " أما ملخص بنود الوثيقة : إن المسلمين أمة واحدة متعاونة وأن المهاجرين من قريش على رِبْعَتِهم يتعاقلون بينهم، وهم يَفْدُون عَانِيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وكل قبيلة من الأنصار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين‏.‏ وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دَسِيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين‏.‏والمراد بالدسع أي طلب دفع الظلم وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم‏.‏ وإن سلم المؤمنين واحدة؛ لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم‏.‏ وإنه لا يحل لمؤمن أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صَرْف ولا عَدْل‏.‏ وإنكم مهما اختلفـتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله ـ عز وجل ـ وإلى محمـد صلى الله عليه وسلم . ماأجملها من وثيقة تعمل على الترابط بين المؤمنين وتماسك المجتمع المسلم ووحدته في مواجهة أي عدوان ، كما وضعت إجراءات وقائية لضمان سلامة وأمن المواطنين من المسلمين وغيرهم من الفئات التي كانت موجودة في المجتمع وهي دعوة صريحة للتعايش السلمي وقبول الآخر بشرط أن يلتزم بما وقع عليه اتفاقيات ومبادئ أما إذا نقض العهد فيكون التصدي له بكل قوة ،كما حذرت الوثيقة من أصحاب البدع والأهواء وكذلك التحذير من خطر الطابور الخامس الذي يمثل فئة المنافقين ، كما أن الاحتكام عن حدوث الاختلاف إن حدث لحكم الله في القرآن ولحكم النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في السنة النبوية المطهرة يقول الدكتور علي جمعة " أرسى الإسلام قواعد وأسسا للتعايش مع الآخر في جميع الأحوال والأزمان والأماكن, بحيث يصبح المسلمون في تناسق واندماج مع العالم الذي يعيشون فيه, بما يضمن تفاعلهم مع الآخر وتواصلهم معه دون تفريط في الثوابت الإسلامية ، وعلى نهج تلك الأسس ووفق هذه الثوابت يمضي المسلمون قدما في رسم الحضارة الإسلامية ، لمعايشة المستجدات التي تطرأ عبر التاريخ, كما يظل الرسول صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة في كل شيء, مصداقا لقول الله تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ) [الأحزاب:21]. وقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم أربعة نماذج للتعايش مع الآخر داخل الدولة الإسلامية وخارجها ، أول هذه النماذج هو نموذج مكة, وكان المقام فيها مقام الصبر والتعايش, والثاني نموذج بقاء المسلمين في الحبشة, والمقام فيها مقام الوفاء والمشاركة, والثالث نموذج المدينة في عهدها الأول, والمقام فيها مقام الانفتاح والتعاون, أما النموذج الرابع فهو نموذج المدينة في عهدها الأخير، والمقام فيها مقام العدل والوعي قبل السعي" إن الهجرة أسست بها دولة قوية على مبادئ الأخوة في الله والتضامن الإنساني ثم تتابعت عليها التشريعات الإلهية بما يسعد الفرد والجماعة في علاقتهم بربهم وعلاقة بعضهم ببعض ، وعلاقتهم مع غيرهم وعملت على تطبيق حكم الله ، وتطهير الأرض من عبادة غير الله ،ومحاربة الظلم والظالمين ،ثم امتدت إلى أرض الفرس والرم بل وكل بقاع الأرض ،وبذلك تحقق وعد الله لعباده المؤمنين الموفين بعهدهم المخلصين لدينهم قال الله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) سورة النور : 55

اللهم وفق المسلمين لطاعتك وأصرفهم عن معصيتك ،وجنبهم الفتن ماظهر منها وما بطن

آخر الأخبار
اعلن معنا
Ehtwaa_logo

احتواء نيوز هي منصتكم الأولى التي تجمع بين أخبار العالم , اقتصاد , سياسة , الصحة النفسية، والتربية الخاصة ، واللايف كوتشينغ ، في رؤية متكاملة تعزز نمو الإنسان ورفاهيته على المستويات كافة

اتصل بنا

العنوان : حدائق الأهرام - البوابة الأولي
الهاتف : 01556650744
الايميل : ehtwaanews@gmail.com
إشترك معنا بالنشرة الإخبارية
كن على اتصال معنا

الموقع الجغرافى :

© 2025 احتواء نيوز - EhtwaaNews. جميع الحقوق محفوظة.