محمود المناعي يكتب لماذا يخجل البعض من ذكر عنوانه؟

في أروقة الشركات، أو حتى في المواقف العابرة التي تجمعنا بوجوهٍ جديدة، نلاحظ ذلك الارتباك الطفيف الذي يسبق الإجابة على سؤال يبدو بسيطاً: "أين تسكن؟". البعض يبتلع ريقه قبل أن ينطق اسم منطقته أو قريته، والبعض الآخر يلجأ إلى المواربة فيذكر اسم الحي الراقي أو المدينة المجاورة لمسكنه، هارباً من الحقيقة الصريحة التي تخبرنا أنه ابن حارة شعبية أو قرية بسيطة. فما الذي يفعله "العنوان" في نفوسنا؟ ولماذا صار البعض يخجل من جذوره التي نبت فيها؟
إن هذا الخجل ليس مجرد شعور فردي، بل هو "وصمة" اجتماعية تراكمت عبر سنوات من الدراما المشوهة التي لم ترَ في المناطق الشعبية إلا "البلطجة" أو "العوز" أو "العشوائية". لقد صنعوا في مخيلة الآخرين سجناً من الصور النمطية، حتى ظن الشاب أن ذكر عنوانه قد يغلق في وجهه باب وظيفة، أو يجعله أقل شأناً في عيون رفاقه، فصار يهرب من هويته المكانية ظناً منه أنها قيدٌ على طموحه.
لكن الحقيقة التي يجب أن نجهر بها هي أن "العنوان" ليس هو من يصنع قيمة الإنسان، بل الإنسان هو من يُشرّف عنوانه. إن تلك الأحياء الشعبية أو القرى التي قد يخجل منها البعض، هي ذاتها "قلاع الصبر" التي خرجت منها عقولٌ علماء، ومهندسين، وأطباء، وفنانين، ورجال أعمال بنوا أنفسهم من "الصفر" بعرق الجبين. هي الأرض التي علمتنا "الشهامة" والقدرة على تطويع المستحيل، والصبر على مرارة الحياة بابتسامة رضا لا تغادر الوجوه.
إن خجل البعض من عنوانه هو انتصار لتلك الصورة الذهنية الزائفة على واقعنا الغني بالقيم. فالبيوت التي قد تبدو متلاصقة ومزدحمة أو بسيطة من الطوب اللبن، هي ذاتها التي تضج بالدفء الإنساني الذي يفتقده سكان القصور المتباعدة خلف الأسوار. في حاراتنا وقُرانا، لا يموت جائع بيننا، ولا يبيت مريض دون أن يشعر به جيرانه. هنا "الأمان" ليس كاميرات مراقبة باردة، بل هو "عين الجار" التي تحرس عرض جاره وبيته بفطرة نقية.
أقول لكل شاب وفتاة: لا تسمحوا لـ"جغرافيا المكان" أن تحاصر "طموح الروح". إن اعتزازك بانتمائك هو أولى خطوات تغيير الواقع. عندما تذكر عنوانك بملء فيك، فأنت تكسر تلك الصورة النمطية، وتثبت للجميع أن ابن المناطق الشعبية أو القرى هو الأكثر كفاءة، والأصدق طموحاً، والأقدر على الإبداع؛ لأنه وُلد من رحم التحدي لا من رفاهية التمني.
إن أحياءنا الشعبية وقُرانا هي "قلب الوطن" النابض، وهي خزان الأخلاق الذي لا ينضب. وإذا كان هناك "قبح" في بعض زواياها، فمسؤوليتنا أن نغيره بأيدينا وعملنا، لا أن نهرب منه بقلوبنا. علينا أن نجعل من أسماء مناطقنا "علامة مسجلة" للأمانة والعمل والتميز، حتى يأتي اليوم الذي نفتخر فيه جميعاً بأننا أبناء تلك الشوارع أو القرى التي علمتنا كيف نكون "رجالاً". فكرامتك تخرج من "أصلك"، وقوتك تبدأ من "ثباتك" على أرضك. فكن فخوراً بمنبتك.









