هذا الموقع يتطلب تشغيل JavaScript للعمل بشكل صحيح. رجاءً قم بتمكين JavaScript في المتصفح.
الأربعاء، ٢٢ يوليو ٢٠٢٦ - ٠٨ صفر ١٤٤٨ هـ - ٠٠:١٦ القاهرة
هيئة التحرير

مدير التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

نجوي يوسف

فن وثقافة

بقلم الشاعرة:فاتحة أحمد يشو - الرشيدية

سكون الليل

img_preview
كتب : خاص احتواء الثلاثاء، ٢١ يوليو ٢٠٢٦ في ١٦:٥٠
مشاركة :
whatsapp facebook twitter

حين يهبط الليل بردائه الوثير، ويخفت صخب المدن، وتنسحب الضوضاء إلى هوامش الزمن، يبدأ العالم الحقيقي في الانكشاف. فثمة أشياء لا تقولها الشمس، وأسرار لا تجرؤ على البوح بها إلا العتمة. في سكون الليل تنفتح في دواخلنا نوافذ ظلت موصدة طوال النهار، فنصغي إلى همس أرواحنا، ونلتقي بذواتنا كما لم نلتق بها من قبل. هناك، حيث لا شاهد إلا الصمت، تصبح الحقيقة أكثر وضوحا، ويغدو الإنسان أقل ادعاء وأكثر صدقا مع نفسه.

الليل ليس مجرد تعاقب طبيعي لعقارب الزمن بل هو فضاء رحب للتأمل، ومحراب للروح، ومرآة صافية تعكس ما تراكم في الأعماق من أفراح وأوجاع. ففي العتمة الوديعة تتخفف الأشياء من ضجيجها، وتسقط الأقنعة التي فرضت بالنهار، وتعود المعاني إلى جوهرها الأول. عندها نعيد ترتيب فوضى أرواحنا، ونرمم ما تصدع فينا بصمت عميق، ونحاول أن نداوي الكسور التي أحدثتها الأيام في قلوبنا.

ولأن الليل يتسع للجميع، فإنه يحتضن حكايات لا تشبه بعضها. ففي بيت صغير، تجلس أم تدعو لابن غائب، ترفع كفيها إلى السماء وقلبها معلق بخيط من الرجاء. وفي بيت آخر شيخ أنهكه العمر، يقلب صفحات الذكريات، يبتسم حينا ويبكي أحيانا وقد أدرك أن العمر ليس بعدد السنين التي يحملها على كاهله، بل بما خلفته الأيام في قلبه من جراح.

وفي زاوية أخرى، عاشق يسهر على ضوء الكلمات، يخط رسائله إلى من يسكن روحه، ويغزل من الحنين قصائد تشبه أختها. يظن أن الليل أقرب إلى الحب، حيث المحبون يعرفون أن الشوق يكبر حين ينام العالم، وأن المسافات تصبح أكثر قسوة عندما يسود الصمت.

وفي المقابل، هناك من يجعل الليل موعدا مع الحزن. يستعيد خيباته، ويقلب دفاتر عمره، ويعاتب نفسه على أحلام أضاعها أو فرص أفلتت من بين يديه. تنحدر دمعة خجلى في صمت، دون أن يشعر بها أحد،دمعة أصدق من ألف كلمة. فالليل يمنح الدموع حقها في السقوط دون خجل، ويمنح القلوب مساحة لتبكي ما عجزت عن البكاء عليه في وضح النهار.

وفي المساجد، أو في زوايا البيوت، تقف أرواح متهجدة تناجي ربها بخشوع. تنساب الأدعية كالنور، ويغدو الليل قنديلا للإيمان، حيث يشعر الإنسان بقرب السماء أكثر من أي وقت آخر. في تلك اللحظات، يدرك أن السكينة ليست في غياب الهموم، بل في حسن التوكل على الله، وأن الدعاء يخفف أثقال الروح حتى وإن بقيت الأحمال كما هي.

لكن الليل يحمل أيضا وجوها أخرى. ففي الطرقات من يتسكع هاربا من واقعه، يطارد سراب النسيان، ويظن أن الغياب عن الوعي خلاص، بينما يغرق أكثر في متاهة الألم. وهناك من يقتله الفراغ، فيملؤه بما يزيده وحشة، غير مدرك أن الهروب لا يصنع النجاة، وأن مواجهة الذات، مهما كانت مؤلمة، أرحم من الفرار منها.

وفي المستشفيات، تبدو الساعات أطول من المعتاد. على سرير أبيض، يرقد مريض يصارع الألم، وإلى جواره قلب أم أو أب أو زوجة أو ابن، يراقب الأجهزة بقلق، وينتظر بشغف أن يحمل الفجر بشرى شفاء. هناك يصبح الليل امتحانا للصبر، وتتحول الدقائق إلى دعوات صامتة وتغدو ابتسامة طبيب أملا جديدا بالحياة.

وفي أماكن بعيدة، يسهر كاتب يبحث عن الجملة التي تشبه روحه، وفنان يرسم حلما وشاعر يصغي إلى موسيقى الكلمات وهي تولد من رحم الصمت. فالليل كان وما يزال دوما رفيق المبدعين، لأنه يمنحهم عزلة خصبة،تتخمص من رحمها الأفكار، وتنضج فيها الرؤى، ويولد منها الجمال.

ولعل أجمل ما في الليل أنه لا يميز بين الناس. فهو يهب سكينته للجميع، ويترك لكل قلب أن يملأها بما يحمل. فمنهم من يجعلها عبادة، ومنهم من يجعلها حبًا، ومنهم من يحولها إلى بكاء، وآخرون يجعلونها بداية جديدة، يراجعون فيها أخطاءهم، ويعقدون العزم على أن يكون الغد أكثر إشراقا .

إن الليل ليس ظلاما كما يظنه البعض، بل زمن تنكشف فيه الأنوار الخفية. فيه تتعانق الذكريات، وتولد الأسئلة المؤجلة، وتنبعث الأمنيات التي أخفاها ضجيج النهار. إنه دفتر سري تحفظ صفحاته اعترافات البشر، ومرآة لا تجامل أحدا بل تعكس الحقيقة كما هي، دون رتوش أو زيف.

وهكذا يظل الليل شاهدا أمينا على تفاصيلنا المنسية، وحارسا وفيا لاعترافاتنا الصامتة، ورفيقا لكل روح تبحث عن معنى، أو تفتش عن طمأنينة، أو تنتظر فجرا يحمل لها بداية أخرى. وما أجمل الليل حين نمنحه فرصة ليعيد إلينا بعضا مما أضاعه نهارنا، فنخرج من سكونه أكثر صفاء، وأعمق إيمانا، وأقرب إلى الحقيقة التي تسكننا منذ البداية.

فاتحة أحمد يشو- الرشيدية

آخر الأخبار
اعلن معنا
Ehtwaa_logo

احتواء نيوز هي منصتكم الأولى التي تجمع بين أخبار العالم , اقتصاد , سياسة , الصحة النفسية، والتربية الخاصة ، واللايف كوتشينغ ، في رؤية متكاملة تعزز نمو الإنسان ورفاهيته على المستويات كافة

اتصل بنا

العنوان : حدائق الأهرام - البوابة الأولي
الهاتف : 01556650744
الايميل : ehtwaanews@gmail.com
إشترك معنا بالنشرة الإخبارية
كن على اتصال معنا

الموقع الجغرافى :

© 2025 احتواء نيوز - EhtwaaNews. جميع الحقوق محفوظة.