بقلم: ا. فاتحة أحمد يشو - الرشيدية
من المجحف حقا أن يكتشف المجتمع قيمة المرأة بعد أن تستنفد سنوات عمرها في العطاء وينحني عودها بعد تضحيات جسام. فبينما تثقل كاهلها في شبابها قيود معنوية صاغتها الثقافة الذكورية، وتحاصر أحلامها بسلسلة من المحظورات الاجتماعية، وتُقاس خطواتها بمعايير لا تُفرض على الرجل بالقدر نفسه، نجدها، حين يشيب رأسها، تتحول فجأة إلى رمز للحكمة والبركة، وتُحاط بهالة من التوقير والاحترام.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجرأة هو: لماذا لم يكن هذا الاحترام حاضرا عندما كانت تبني الأسرة، وتُربي الأجيال، وتكافح في صمت، وتدفع من صحتها وعمرها ثمنا لاستقرار الآخرين؟
إن المشكلة ليست في تكريم المرأة في شيخوختها، فهذا خلق كريم وجميل، وإنما في تأجيل الاعتراف بإنسانيتها الكاملة إلى مرحلة يكون فيها كثير من الفرص قد مضى، وكثير من الأحلام قد ذبل. فالكرامة ليست جائزة أو هدية مجانية يمنحها العمر، بل حق أصيل يولد مع الإنسان .
لقد أدرك الفيلسوف إيمانويل كانط هذه الحقيقة حين قال: «عامل الإنسان دائما بوصفه غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة.» وهذه القاعدة الأخلاقية لا تفرّق بين رجل وامرأة، ولا بين شابة وعجوز؛ فالإنسان تُصان كرامته لذاته لإنسانيته، لا لسنّه ولا لمنزلته الاجتماعية والاقتصادية.
أما الفيلسوف جون ستيوارت ميل، فقد رأى أن إخضاع المرأة لسلطة المجتمع الذكوري ليس قانونا طبيعيا بل ميراث تاريخي، فقال في كتابه استعباد النساء: «إن المبدأ الذي ينظم العلاقات الاجتماعية القائمة بين الجنسين، والقائم على تبعية أحدهما للآخر، مبدأ خاطئ في ذاته، وهو اليوم أحد أكبر العوائق أمام التقدم الإنساني.» وما أشد انطباق هذا القول على واقعٍ تقاس فيه حرية المرأة بعمرها، لا بإنسانيتها.
وتذهب الفيلسوفة سيمون دي بوفوار إلى أبعد من ذلك حين تقول: «لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك.» أي إن المجتمع هو الذي يصنع الأدوار والقيود والصور النمطية، فيفرض على المرأة ما يجب أن تكونه، ويحاسبها إذا خرجت عن القالب الذي رسمه لها.
ولم يكن تراثنا العربي والإسلامي بعيدا عن الدعوة إلى تكريم المرأة؛ فقد قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟» وإن كان هذا القول عاما في الدفاع عن الحرية الإنسانية، فإنه يذكّر بأن الحرية لا ينبغي أن تُنتقص بسبب الجنس أو العرف أو التقاليد.
إن المجتمع الذي لا يسمح للمرأة بأن تُعبّر عن رأيها، أو تختار طريقها، أو تحقق ذاتها، ثم يغدق عليها الاحترام بعد أن يرهقها الزمن، إنما يمارس صورة من صور العدالة المؤجلة، وهي عدالة لا تُنصف أحدا.
فالمرأة لا تحتاج إلى الحرية عندما تصبح ذكرياتها أكثر من أحلامها، بل تحتاجها وهي في مقتبل العمر، حين تكون قادرة على البناء والعطاء والإبداع. ولا تحتاج إلى الاعتراف بقيمتها بعد أن يثقلها التعب، بل وهي تصنع ذلك التعب من أجل الآخرين.
إن رقيَّ المجتمعات لا يُقاس بعدد الكلمات الجميلة التي تُقال في حق الأمهات والعجائز، وإنما يُقاس بمدى احترام المرأة في جميع مراحل حياتها؛ طفلة تُصان براءتها، وشابة تُحترم إرادتها، وزوجة تُقدّر شراكتها، وأمّا يُعترف بتضحياتها، وعجوزا يصان فضلها.
فالمرأة لا تصبح جديرة بالاحترام حين يكسو الشيب رأسها، وإنما تستحقه منذ اللحظة الأولى التي خُلقت فيها إنسانا كامل الكرامة. وما لم تتحول هذه القناعة إلى ثقافة مجتمعية، فسيظل التكريم المتأخر اعتذارا غير معلن عن سنوات طويلة من التقييد والإقصاء.
فاتحة أحمد يشو










