الكتابة ليست ترفًا... بل موقفٌ أخلاقي وانحيازٌ للإنسان

بقلم: الشاعرة. فاتحة احمد يشو - الرشيدية
حين يصبح الصمت عن الظلم شراكة فيه، تتحول الكلمة الحرة إلى واجب إنساني، ويغدو القلم شاهدًا على الحقيقة وصوتًا لمن لا صوت لهم.
الكتابة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون فعلا إبداعيا. وحين تنفصل الكلمة عن ضمير الإنسان، تتحول إلى حبرٍ بارد لا يترك أثرا في الوجدان ولا يغير شيئا في الواقع. لذلك تبدو الكتابة بليدة حين تكتفي بوصف العالم دون أن تسهم في إصلاحه، وحين تنحاز إلى الصمت أمام القضايا التي تستصرخ الضمير الإنساني.
لقد أدرك المفكر الفرنسي ألبير كامو هذه الحقيقة حين قال: «الفنان لا يستطيع أن يكون في خدمة من يصنعون التاريخ، بل في خدمة من يعانون منه.» فالمبدع الحقيقي لا يقف على هامش المأساة، وإنما يجعل من قلمه شاهدا على الألم،وسلاحا ينصر به المظلوم ولسانا لمن سلبت أصواتهم . لقد أكد جان بول سارتر أن: «الكاتب في موقف دائم وكل كلمة لها صدى، وكل صمت أيضا.» ومن هنا يصبح الصمت عن الظلم موقفا جائرا لا يقل خطورة عن تبريره.
إن الكلمات التي لا تعزف على أوتار الإنسانية تظل كلمات فضفاضة خاوية من المعنى، مهما بلغت فصاحتها. وما قيمة النصوص إذا لم تطالب بعالم أكثر أمنا وعدلا؟ وما جدوى البلاغة إذا كانت عاجزة عن إدانة الجوع الذي يفتك بالأطفال في الهوامش والقرى، بينما يموت آخرون من فرط التخمة ؟ أي مفارقة أشد قسوة من عالم تُهدر فيه الأطعمة في بقعة، ويُهدر فيه الإنسان في بقعة أخرى؟
لقد صدق غاندي حين وصف الفقر كونه أسوأ أشكال العنف. ولذلك فإن السكوت عن هذا العنف مشاركة غير مباشرة في استمراره.
وفي زمن أصبحت فيه الحدود تقطع للنزهة والسياحة لا يزال كثيرون يعبرونها هربا من الموت إلى المجهول، أو يسقطون على أرصفة المستشفيات ضحايا للإهمال وغياب العدالة الاجتماعية. وهنا تستعيد عبارة فيكتور هوغو معناها «إن فتح مدرسة يعني إغلاق سجن.» لأن المجتمعات التي تؤمن بالإنسان لا تكتفي ببناء العمران، بل تبني الكرامة وتحمي الحق في الحياة والعلاج والتعليم.
إن الكتابة التي تتجنب القضايا المحظورة، وتهادن السلطة أو المجتمع أو الخوف، تفقد رسالتها النبيلة. فالكاتب ليس موظفا مأجورا لدى الصمت، بل شاهدا على عصره، ومسائلا لواقعه. إن أعظم النصوص ليست تلك التي تُتقن صناعة الجمال فحسب، وإنما تلك التي تمتلك شجاعة الحقيقة .
الكلمة الحرة ليست خصما لأحد، وإنما هي نصير للإنسان أينما كان. وهي لا تبحث عن إثارة الجدل بقدر ما تبحث عن إيقاظ الضمير. فالكتابة التي لا تنتصر للمقهورين، ولا تفضح الظلم، ولا تدافع عن الطفولة، ولا تواجه الفساد والإقصاء، تظل كتابة فاقدة لرسالتها مهما بلغت قيمتها الفنية...
لهذا أصف الكتابة بكتابة بليدة حين تستكين، وخائنة حين تصمت، وعظيمة حين تنحاز إلى الإنسان. فالقلم الذي لا يجرؤ على طرق الأبواب الموصدة، ولا يقترب من القضايا المسكوت عنها، ليس إلا شاهد زور على زمن يحتاج إلى شهود حق. وما دامت الكلمة قادرة على إحياء الضمير، فإن مسؤوليتها أن تبقى حرة، صادقة، وجريئة، لأن الأمم لا تنهض إلا بالأقلام التي تكتب الحقيقة، ولو دفعت ثمنها باهضا...
فاتحة أحمد يشو









