بقلم :ا. عبد السلام عمري
عالمية الخطاب الإسلامي في القرآن الكريم والسنة النبوية

الخطاب الديني في القرآن الكريم والسنة النبوية يتصف بالعالمية، التي تأتي من عالمية رسالة الرسول ﷺ التي نزلت عليه من عند الله تعالى وأمر بتبليغها للناس كافة، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28] كما أن الخطاب الديني في السنة النبوية يتصف بالكمال؛ لأن النبي ﷺ هو الإنسان الكامل الذي أعده الله للرسالة التي ختمت بها الرسالات، ولما كان الخطاب الديني الهادي يهدي الناس إلى الطريق المستقيم وإلى الرشد وإلى كل ما يعود على المسلم بالنفع والفائدة في الدنيا والآخرة، كان ﷺ يقوم على تطبيقه قولاً وعملاً، مع التوحيد الخالص لله رب العالمين، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] فالدعوة إلى توحيد الله الواحد الأحد هي محور الرسالة الخالدة ومناط التكليف الديني الهادي المنير، وحولها ومنها تتشعب التكاليف وتتعدد الأوامر والنواهي والأخلاق في اتساق دقيق وتألف عميق، ولم يكن الخطاب الإسلامي عند النبي صلى الله عليه وسلم هو القرآن الكريم ككتاب معجز معنى ومبنى فقط ولكنه أيضاً معايشة هذا القرآن الكريم لذلك عندما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي ﷺ قالت: "كان خلقه القرآن" رواه أحمد.
لقد جاء الخطاب الديني في السنة النبوية المطهرة مؤكداً على عالمية رسالة رسول الإسلام ﷺ ونذكر على سبيل المثال قوله ﷺ:
"فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم ونُصرت بالرعب وأُحلت لي الغنائم وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً وأُرسلت إلى الخلق كافة وخُتم بي النبيون" رواه ابن حبان.
وكما هو واضح وبين في الحديث النبوي الشريف فإن النبي ﷺ رسول من عند الله عز وجل إلى كل البشر دون نظر إلى جنس أو لون ولم يدخر النبي ﷺ في تحويل الإطار النظري لعالمية رسالته إلى تطبيق عملي جسده بنفسه ﷺ وتحول إلى واقع ونلاحظ في بداية الدعوة الكثير من الأعراب دخلت الإسلام بصرف النظر عن جنسها ولغتها ولونها؛ لأن الأمة بالمعنى الإسلامي هي انتماء عقدي ديني وليس انتماءً عنصرياً لجنس من الأجناس أو عرق من الأعراق... وقد اتخذ الرسول ﷺ خطوات عملية لتحقيق عالمية رسالته فقد قام بإيفاد مبعوثين لدعوة الناس إلى الإسلام والتعريف به بالحكمة والموعظة الحسنة، مما كان له بالغ الأثر في دخول الناس في دين الله أفواجاً، لقد جاءت رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سهلة ميسرة خالية من الغموض بعيدة عن العسر توازن بين مطالب الروح والجسد تؤكد على العمل للدنيا والآخرة.... ودعا الإسلام إلى مكارم الأخلاق والمعاملة الحسنة وكل ما يعود على المسلم بالخير في الدنيا والآخرة. ونأخذ نموذجاً للخطاب الديني الناجح من خلال حوار النجاشي ملك الحبشة مع جعفر بن أبي طالب.
وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله ليسألهم فقال ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قال: فعدد عليه أمور الإسلام.... فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث...." رواه أحمد.









