"المثالية والواقع وكيفية التخلص منها" للدكتور أحمد محمد عبد الوهاب

منذ بداية الخليقة والانسان يسأل نفسه سؤالاً واحداً: كيف يمكن للروح أن تحلّق في سماء المثالية، بينما تظل الأقدام مغروسة في وحل الواقع؟ إنها معضلة إنسانية قديمة قدم التاريخ، تظهر في علاقاتنا، أعمالنا، أحلامنا، بل وفي نظرتنا إلى أنفسنا. فالمثالية حلم جميل يزين بداية الطريق، والواقع أرض صلبة تعيد تشكيل الأحلام، وأحياناً تحطّمها. كثيرون هم الذين أصيبوا بالإحباط والاكتئاب لأنهم تعلقوا بصورة مثالية للحب، أو العمل، أو الصداقة، أو المجتمع، فلما اصطدموا بالواقع انهارت طاقتهم وسقطت معنوياتهم. لكن السؤال الجوهري ليس: كيف نتخلى عن المثالية؟ بل: كيف نحرر أنفسنا من أسرها المُدمِّر، دون أن نفقد طموحنا وأخلاقنا؟
هذا المقال محاولة لفهم جذور الصراع بين المثالية والواقع، واستكشاف السبل العملية والنفسية لتحقيق التوازن، والتخلص من الآلام التي تسببها المثالية المفرطة، مستندين إلى حكمة الفلاسفة، ونظريات علماء النفس، وتجارب الأدباء.
أولاً: تحليل الدكتور أحمد للواقع والمثالية
يقول الدكتور أحمد محمد عبد الوهاب في تحليله لهذه المعضلة:
"المثالية ليست عدوة الواقع كما يظن الكثيرون، بل هي أمله الأعلى. لكن الخلل يحدث حين نخلط بين 'المثل الأعلى' و'الشرط الإلزامي'. فعندما أجعل من المثل الأعلى شرطاً لقبولي بالواقع، فإنني أحكم على نفسي بالفشل المسبق. المثالية الصحيحة هي تلك التي تضيء لنا الطريق، لا تلك التي تسد علينا كل الطرق سوى طريق واحد مستحيل."
"أكثر ما يُتعب الإنسان الحديث هو تطلّبه من الواقع أن يكون أبدياً وسعيداً ونظيفاً ومثالياً. لكن الواقع بطبيعته فوضوي، متقلب، ناقص. من يعيش في وهم أن الحياة ستكون 'مثالية' لو حدث كذا، فهو كمن يصر على أن البحر لا يموج. التحرر يبدأ من الاعتراف بأن العيوب ليست استثناءً في الحياة، بل هي قوامها."
ويُكمّل تحليله قائلاً:
"لقد لاحظت في جلستي العلاجية أن أكثر الناس تعاسة هم أكثرهم تمسكاً بصور مثالية جامدة عن أنفسهم وعن الآخرين. الإنسان المتشدد مع نفسه في طلب الكمال ينتهي إما محطماً أو منافقاً. أما الإنسان المتسامح مع عيوبه، فهو الوحيد القادر على تحسين واقعه، لأن تحسين الواقع يبدأ من تقبله أولاً."
ثانياً: لماذا نُقحم المثالية في كل شيء؟ (بين أفلاطون وأرسطو)
المثالية ليست عيباً في حد ذاتها؛ إنها دافع للنهوض والإبداع. لكنّ المشكلة تبدأ حين نحولها إلى سجن صارم ننتظر منه أن يحقق لنا الأمان المطلق والكمال. غالباً ما تنبع المثالية المفرطة من: الخوف من الفشل، التربية والثقافة، والمقارنات الوهمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما قال الفيلسوف اليوناني أفلاطون، الذي جسّد الفيلسوف المثالي، إذ آمن بوجود "عالم المُثُل" الكامل. لكن تلميذه أرسطو صحح هذه الرؤية بقوله إن الحقيقة تكمن في دراسة العالم المادي الحسي. وهنا يشير د. أحمد إلى أن "العلاج ليس في اختيار أفلاطون أو أرسطو، بل في امتلاك 'عقل أرسطو' في التعامل مع الواقع، و'قلب أفلاطون' في الحلم بالمثل".
ثالثاً: فجوة المثالية والواقع من منظور نفسي
حين نتوقع من شريك الحياة أن يفهمنا دون كلام، أو من الوظيفة أن تحقق كل أحلامنا، فإننا نرسل أنفسنا في رحلة خيبة أمل لا تنتهي. وقد فسّر فرويد هذا الصراع من خلال "مبدأ اللذة" و"مبدأ الواقع". بينما يرى كارل روجرز أن الاضطراب النفسي ينشأ عندما يشعر الفرد بأنه مجبر على تلبية مطالب الآخرين المثالية بدلاً من أن يكون على طبيعته.
ويعلق د. أحمد هنا قائلاً:
"ما لا يفهمه الكثيرون هو أن المثالية المفرطة هي شكل من أشكال القسوة على الذات. حين نصر على أن يكون أجسادنا مثالية، أو بيوتنا مثالية، أو أبناءنا مثاليين، فإننا نعذب أنفسنا بشيء لا وجود له في الواقع. أخطر ما في المثالية أنها تسلبك قدرتك على رؤية الجمال الموجود أصلاً، لأن عينك مشغولة بالجمال الغائب."
رابعاً: كيف نتخلص من سطوة المثالية؟ (خطوات عملية)
1. التمييز بين المبادئ والمطالب
يمكنك أن تبقى مثالياً في مبادئك دون أن تكون مثالياً في مطالبك من الناس. كما قال ابن المقفع: "إن أسديتَ جميلًا إلى إنسانٍ فحذارِ أن تَذكُرَه".
2. تعلّم فن "الواقعية المتوازنة"
أن ترى الأشياء كما هي، لا أسوأ ولا أفضل مما ستكون. ينصحنا جبران ألا نكتفي بـ"أنصاف العشاق"، بل نطلب الصدق لا الكمال.
ويضيف د. أحمد تحليله العملي:
"الواقعية المتوازنة هي أن تقول: 'هذا الشخص يفعل كذا وكذا مما يؤلمني، لكنه أيضاً يفعل كذا وكذا مما يسعدني، وسأقرر بناءً على المجموع، لا على عيب واحد'. وهذا يختلف تماماً عن المثالية التي تقول: 'إما أن يكون كاملاً وإلا رحل'. المثالية تُفقدك العلاقات، والواقعية المتوازنة تحافظ عليها."
3. تجريب خفض التوقعات مؤقتاً
جرب أن تنهض يوماً دون أن تتوقع مثالياً في شيء. كما قال شكسبير: "لست إنساناً كاملاً، لكني حقيقي وهذا يكفي".
4. تحويل الطاقة من "الحلم" إلى "الفعل"
لا تنتظر الظروف المثالية، ابدأ بما لديك. كما قال سقراط: "ليس الغني من يملك الكثير، بل من يحتاج القليل".
ويقول د. أحمد في هذا السياق:
"لقد اكتشفت أن أكثر الناس فاعلية في الحياة ليسوا المثاليين، بل أولئك الذين يتخذون قراراً بالبدء مهما كانت الظروف ناقصة. المؤمن بالمثالية ينتظر لحظة الصفر المطلق، بينما الواقعي الفاعل يقول: 'لديّ 30% من المتطلبات، سأبدأ بهم وأكمل الباقي على الطريق'. الفرق بينهما هو فرق بين من يموت حلمه ومن يحقق جزءاً منه."
5. تقبّل النقص كجزء من الجمال
في الفلسفة اليابانية "وابي سابي"، جمال العيوب. كما قال نيتشه محذراً: "لا تقع ضحية المثالية المفرطة".
خامساً: نموذج حياتي عملي
ممارسة يومية بسيطة: كل مساء، اسأل نفسك: "أي توقع مثالي اليوم سبب لي ألماً؟". اكتبه، ثم قل لنفسك: "كان بإمكاني أن أرى الأمر بشكل مختلف".
ويختم د. أحمد تحليله بعبارة جامعة:
"لقد تعلمت على مدى سنوات طويلة من الممارسة السريرية والحياة الشخصية أن أنجح معادلة للتعامل مع الحياة هي: طموح مثالي لا يتنازل عن المبادئ الكبرى، وصبر واقعي لا يتعنت في التفاصيل الصغرى. فمن ضاع في التفاصيل المثالية خسر الكل، ومن تنازل عن كل مبدأ بحجة الواقعية فقد روحه. أما الحكمة فهي في الجمع بين الإثنين: عين تنظر إلى النجوم، ويد تعمل على الأرض."
الخاتمة: سلام الممكن
التخلص من المثالية لا يعني التخلي عن الأحلام، بل تحريرها من شرط الكمال. الواقع ليس عدواً للمثالية، بل هو مادتها الخام. كما قال ألبير كامو: "في وسط الشتاء، اكتشفت أخيراً أنه كان بداخلي صيف لا يقهر". فاختر أن تكون حقيقياً بدلاً من أن تكون مثالياً؛ عندها فقط ستلتقي بالسلام.
آخر عبارة للدكتور أحمد:
"لا تنتظر أن يصبح الواقع مثالياً كي تبدأ بالسعادة، بل ابدأ بالساعة الآن، بهذا الهواء، بهذا الجسم، بهذا المال، بهذه العلاقة الناقصة الجميلة. فالمثل الحقيقي ليس في الكمال المستحيل، بل في الحب الكافي، والعمل الممكن، والسلام المتاح."









