د.أحمد محمد عبد الوهاب يكتب"شعبان… همس الرحمة قبل أن ينادي رمضان"

يأتي شهر شعبان بلا ضجيج، ولا صخب، كأنه زائرٌ خفيف الظلّ يقف عند باب الروح ويهمس بهدوء: استعد…
يمرّ بين رجب ورمضان، فيغفل عنه كثير من الناس، بينما هو عند الله شهرٌ عظيم، تُرفع فيه الأعمال، وتُعرض فيه القلوب، وتُختبر فيه النيات.
في شعبان، لا تُطلب منا كثرة الكلام، بل صدق الحال.
ولا يُنتظر منا استعراض الطاعات، بل خلوة صامتة مع الله، نراجع فيها ما كُتب علينا وما كُتب لنا.
#شهر تُرفع فيه الأعمال… فبأي حال تُرفع؟
سأل الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنه النبي ﷺ سؤال القلب الحائر:
لماذا تُكثر الصيام في شعبان؟
فأجابه ﷺ بكلماتٍ تهزّ الوجدان:
«ذلك شهرٌ يغفلُ الناسُ عنه بين رجبٍ ورمضان،
> وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأُحبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائم»
تُرفع الأعمال… وترتفع معها القلوب، أو تثقل بها.
فيا ترى:
هل تُرفع أعمالنا وهي مثقلة بالخصومات؟
أم خفيفة بنقاء النية وصفاء القلب؟
#شعبان… شهر رحمة لا تُعلن عن نفسها
رحمة الله لا تحتاج إعلانًا، لكنها في شعبان أقرب، وألطف، وأحنّ.
رحمة تشبه يدًا خفية تربت على كتف المتعب، وتقول له: ارجع… الباب ما زال مفتوحًا.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ
لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
شعبان ليس شهر الكمال، بل شهر العودة…
العودة من الغفلة، ومن التراكم، ومن القسوة التي لا نشعر متى سكنت قلوبنا.
احتواء القلوب المتعبة
إذا شعرت أنك قصّرت، أو أن الأيام السابقة حملتك بعيدًا عن الله، فاعلم أن شعبان فرصة للبدء من جديد.
الله لا يغلق باب رحمتِه على قلب نادم، بل يفتح له أفقًا من الرجاء والسكينة.
خذ نفسًا عميقًا، وابدأ بخطوة صغيرة… صلاة، ذكر، صدقة، أو ابتسامة في وجه أحد.
كل عمل صادق يُقبل، وكل قلب صادق يُحتضن.
كيف يستعد القلب لرمضان في شعبان؟
ليس الاستعداد بكثرة الأعمال وحدها، بل بتهيئة الداخل:
صيامٌ يعلم الجسد الطاعة ويذكّر الروح بمن يقودها
توبةٌ صادقة، لا تبرّر الذنب ولا تؤجّل الرجوع
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾
مصالحةٌ مع النفس، ومع الناس، ومع الله صحبةٌ هادئة مع القرآن، ولو بآيات قليلة، لكن بقلب حاضر، القلب الذي لا يُنقّى في شعبان، يصعب عليه أن يصفو في رمضان… لكن تذكّر، كل يوم فرصة جديدة.
رسالة شعبان
شعبان لا يطالبك أن تكون ملاكًا، بل أن تكون صادقًا.
أن تقول: يا رب، أنا مقصّر… لكني مقبل.
أن تصلح ما استطعت، وتسلّم الباقي لله.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
من أصلح قلبه في شعبان، فتح الله له أبواب رمضان.
ومن دخل رمضان بقلب حيّ، خرج منه إنسانًا آخر… أقرب، أخف، وأنقى.
اللهم بلغنا رمضان بقلوب سليمة، أعمال مقبولة، ورحمة لا تنقطع.



