د. أحمد محمد عبد الوهاب يكتب: تقدير الذات... حجر الأساس في بناء شخصية سوية

سلسلة توعوية للأسرة العربية
بقلم:د. أحمد محمد عبد الوهاب
استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري والتربية الخاصة
مقدمة
حين يولد الطفل، لا يعرف من يكون، ولا كيف ينظر إلى نفسه. ومع مرور الأيام يبدأ في تكوين صورته الذاتية من خلال الكلمات التي يسمعها، ونظرات والديه، وطريقة تعامل أسرته ومعلميه وأقرانه معه. فإذا نشأ في بيئة تشجعه وتحترمه وتؤمن بقدراته، نما لديه شعور صحي بقيمته، أما إذا تربى على النقد المستمر والمقارنة والإهانة، فقد يحمل جراحًا نفسية تستمر معه سنوات طويلة.
إن تقدير الذات ليس رفاهية نفسية، بل هو أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الصحة النفسية، والنجاح الدراسي، والاستقرار الأسري، والقدرة على مواجهة تحديات الحياة.
# ما هو تقدير الذات؟
يقصد بتقدير الذات الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه، ومدى شعوره بأنه شخص ذو قيمة واحترام، يستحق الحب والتقدير.
ولا يعني تقدير الذات الغرور أو التعالي، بل يعني أن يعرف الإنسان نقاط قوته وضعفه، ويتقبل نفسه، ويسعى إلى تطويرها دون احتقار أو شعور بالدونية.
ويؤكد علماء النفس أن تقدير الذات الصحي يرتبط بالثقة بالنفس، والمرونة النفسية، والقدرة على بناء علاقات اجتماعية ناجحة.
# كيف يتكون تقدير الذات؟
يتشكل تقدير الذات منذ السنوات الأولى من العمر، ويتأثر بعدة عوامل، أهمها:
### أولًا: الأسرة
الأسرة هي المدرسة الأولى لتقدير الذات.
فالطفل الذي يسمع:
- "أنا فخور بك."
- "أحسنت."
- "لا بأس... حاول مرة أخرى."
يكبر وهو يؤمن بقدراته.
أما الطفل الذي يسمع باستمرار:
- "أنت فاشل."
- "أخوك أفضل منك."
- "لن تنجح أبدًا."
فقد يبدأ في تصديق هذه الرسائل السلبية، حتى تصبح جزءًا من صورته عن نفسه.
### ثانيًا: المدرسة
المعلم ليس ناقلًا للمعرفة فقط، بل شريك في بناء شخصية الطفل.
فكلمة تشجيع من معلم قد تغير مستقبل طالب، كما أن السخرية أو الإحراج أمام زملائه قد تترك أثرًا نفسيًا عميقًا.
### ثالثًا: المجتمع
وسائل الإعلام، والأصدقاء، ومواقع التواصل الاجتماعي، كلها تؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه، خاصة عندما يكثر المقارنة بالآخرين.
# علامات انخفاض تقدير الذات
قد يظهر ضعف تقدير الذات في صورة:
-الخوف من الفشل.
- تجنب التجارب الجديدة.
-الحساسية المفرطة للنقد.
- الاعتذار المستمر دون سبب.
- الشعور بعدم الكفاءة.
- الانسحاب الاجتماعي.
- السعي الدائم لإرضاء الآخرين.
-مقارنة النفس بالآخرين بصورة مستمرة.
# كيف يؤثر انخفاض تقدير الذات؟
تشير الدراسات إلى أن ضعف تقدير الذات قد يرتبط بزيادة احتمالية الإصابة بـ:
- القلق.
- الاكتئاب.
-اضطرابات الأكل.
- الإدمان.
-ضعف الإنجاز الدراسي.
-المشكلات الزوجية.
- صعوبة اتخاذ القرار.
ولذلك فإن الاهتمام ببناء تقدير الذات يعد أحد أهم أساليب الوقاية النفسية.
# كيف نبني تقدير الذات لدى الأطفال؟
يمكن للأسرة اتباع عدد من الممارسات البسيطة، منها:
1- الحب غير المشروط
ليكن حبك لطفلك ثابتًا، سواء نجح أو أخفق.
2- مدح الجهد لا النتيجة
بدلًا من:
"أنت ذكي."
قل:
"أعجبتني طريقة اجتهادك."
فهذا يعزز المثابرة أكثر من الاعتماد على الموهبة فقط.
3- تجنب المقارنة
لكل طفل قدراته وإمكاناته.
والمقارنة تقتل الثقة بالنفس أكثر مما تحفزها.
4- منحه مسؤوليات مناسبة
المسؤولية تبني الشعور بالكفاءة والاستقلال.
5- السماح بالخطأ
الخطأ جزء طبيعي من التعلم.
والطفل الذي يخاف من الخطأ، يخاف من النجاح أيضًا.
# تقدير الذات عند المراهقين
تعد مرحلة المراهقة من أكثر المراحل حساسية في تكوين الصورة الذاتية.
لذلك يحتاج المراهق إلى:
- الاحترام.
- الاستماع.
- الحوار.
- التشجيع.
- الشعور بالانتماء.
وليس إلى الانتقاد المستمر أو السخرية أو التقليل من مشاعره.
# تقدير الذات لدى الوالدين
لا يمكن للوالدين أن يزرعا الثقة في أبنائهما إذا كانا يفتقدانها في نفسيهما.
فالطفل يتعلم من القدوة.
وعندما يرى والديه يحترمان نفسيهما، ويتحدثان عنها بإيجابية، ويتعاملان مع الأخطاء بهدوء، فإنه يكتسب السلوك نفسه.
# تطبيقات عملية للأسرة
اجعلوا نهاية كل أسبوع مناسبة أسرية بعنوان:
"أنا فخور بنفسي لأن..."
وليكمل كل فرد الجملة بثلاثة أشياء إيجابية قام بها خلال الأسبوع.
هذا النشاط البسيط:
-يعزز تقدير الذات.
-يعلم الامتنان.
-يقوي الحوار الأسري.
- يقلل من التركيز على الأخطاء.
خلال سنوات عملي مع الأطفال والمراهقين وذوي الاحتياجات الخاصة، لاحظت أن كثيرًا ممن كانوا يوصفون بأنهم "ضعفاء الشخصية" لم يكونوا ضعفاء في الحقيقة، بل كانوا ضحايا كلمات سلبية تكررت عليهم حتى أصبحت جزءًا من هويتهم.
إن الطفل لا يرى نفسه كما هو، بل كما يراه أقرب الناس إليه.
ولهذا أقول دائمًا للوالدين:
كونوا الصوت الذي يمنح أبناءكم الثقة، قبل أن يسمعوا أصواتًا أخرى تقلل من قيمتهم.
# الخلاصة
تقدير الذات ليس هدية يقدمها المجتمع للإنسان، بل هو بناء يبدأ داخل الأسرة، ويستمر طوال الحياة.
وكل كلمة احترام، وكل تشجيع، وكل فرصة تمنحها لطفلك ليجرب ويتعلم، تضع لبنة جديدة في بناء شخصيته.
إن أعظم ميراث يمكن أن يتركه الوالدان لأبنائهما ليس المال، بل الإيمان بأنفسهم.
كلمة من القلب
"قد تنسى الأذن كثيرًا مما تسمعه، لكن القلب لا ينسى أبدًا الكلمات التي صنعت ثقته بنفسه. فامنحوا أبناءكم كلمات تبنيهم، لا كلمات تهدمهم."
# المراجع (وفق APA 7)
Morris Rosenberg. (1965).Society and the Adolescent Self-Image. Nathaniel Branden. (1994). The Six Pillars of Self-Esteem. American Psychological Association. (2023). Resources on self-esteem and well-being.
World Health Organization. (2022).World Mental Health Report:Transforming Mental Health for Al
United Nations Children's Fund. (2021). The State of the World's Children 2021
Centers for Disease Control and Prevention. (2024).Children's Mental Health.
National Institute of Mental Health. (2024). Child and Adolescent Mental Health.



