جميل ستر الله ولطفه بالتائبين… ودروس نبوية في الرحمة والإقناع

كتب: ا. عبد السلام عمري
من جميل ستر الله ولطفه أن الحدود كفّارات، ويرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة أن الحد إذا أُقيم فهو كفارة لمن أُقيم عليه، بحيث لا يُعذَّب في الآخرة، لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال:
«تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا...»
وقال:
«ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له»
رواه البخاري ومسلم.
أما الخوارج ومن نهج نهجهم فإن أسهل شيء عندهم التكفير، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن من عظيم لطف الله بالعصاة والمذنبين إذا تابوا أنه يقبلهم ويتوب عليهم، ويحفزهم على التوبة والرجوع إليه بتبديل سيئاتهم حسنات، قال الله تعالى في وصف عباد الرحمن:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (68)يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا(69)إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70)
[الفرقان: 68-70].
إن الإسلام وضع الإجراءات الوقائية التي إن عمل بها المسلم صان نفسه عن الزنا وكل ما حرم الله، قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
[الإسراء: 32].
وعن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة»
رواه أحمد.
كما أن النبي ﷺ كان يعالج توهج الشهوة عند الشباب بضوابط أخلاقية تمنع المسلم من الوقوع في الزنا، إنها القناعة العقلية التي عندها يقف كل عاقل وقفات تحول بينه وبين الوقوع في المعصية بصفة عامة، وعدم الوقوع في الزنا بصفة خاصة.
وتصور معي هذا الشاب الذي تجري دماء الشهوة في عروقه، ويريد أن يستأذن النبي ﷺ في الزنا، أو بعبارة أخرى يريد ترخيصًا وتصريحًا بالزنا، فكيف تعامل معه النبي ﷺ؟
لم يعنفه، ولم يغضب، ولم يتهمه، بل أقام عليه الحجة، وولد عنده قناعة بأن يبتعد عن الزنا بالكلية، بل وألا يفكر فيه بأي حال من الأحوال.
فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال:
إن فتىً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه! مه! فقال: «ادنه». فدنا منه قريبًا، قال: فجلس. قال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم». قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: «أفتحبه لعمتك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم».
قال: فوضع يده عليه وقال:
«اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه».
فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.
رواه أحمد.
فالنبي ﷺ رفيق ورحيم بأمته، فلا يجوز بأي حال من الأحوال تقنيط الناس وتيئيسهم من التوبة والرجوع إلى الله، كما لا يجوز تكفير أحد من المسلمين ما دام على التوحيد.
ما أجمل فتح باب الأمل لقبول التوبة أمام العصاة والمذنبين، حتى من أسرف على نفسه في المعصية.
ورُوي أنه لحق بني إسرائيل قحط على عهد موسى عليه السلام، فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا كليم الله، ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث. فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فقال موسى عليه السلام:
إلهي، اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرضع، والبهائم الرتع، والمشايخ الركع.
فما زادت السماء إلا تقشعًا، والشمس إلا حرارة.
فقال موسى: إلهي، إن كان قد خَلُقَ جاهي عندك فبجاه النبي الأمي محمد الذي تبعثه في آخر الزمان.
فأوحى الله إليه: منك النداء ومني البلاغ.
فقام مناديًا وقال: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة، اخرج من بين أظهرنا، فبك مُنعنا المطر.
فقام العبد العاصي، فنظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحدًا خرج، فعلم أنه المقصود، فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدت معهم مُنعوا لأجلي.
فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله وقال: إلهي وسيدي، عصيتك أربعين سنة وأمهلتني، وقد أتيتك طائعًا فاقبلني.
فلم يتم كلامه حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القِرب.
فقال موسى: إلهي وسيدي، بماذا سقيتنا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟
فقال: يا موسى، سقيتكم بالذي به منعتكم.
فقال: إلهي، أرني هذا العبد الطائع.
فقال: يا موسى، إني لم أفضحه وهو يعصيني، أفأفضحه وهو يطيعني؟!
فمن تاب إلى الله وعقد العزم على ألا يعود للمعصية مرة أخرى، فإن الله يقبل توبته ويستر عليه، أما من يتمادى دون توبة فقد يُكشف ستره عنه.



