علاء ثابت مسلم يكتب لغات خارج المجموع… وعقول خارج المستقبل | لماذا نُصرّ على إفقار الثانوية العامة

لم يكن الحديث عن أزمة اللغات الأجنبية الثانية في الثانوية العامة اجتهادًا عابرًا أو انفعالًا لحظيًا، بل كان طرحًا واعيًا ناقشتُه من قبل في مقال منشور على موقع الأهرام الجديد الكندي بعنوان: «بين رؤية الرئيس وقرارات الوزير… من يعيد للغة الثانية مكانتها في الثانوية العامة؟»، حيث حذّرت بوضوح من أن إخراج هذه اللغات من حساب المجموع لن يمرّ دون ثمن، وأن نتائجه ستتجاوز حدود الصف الدراسي لتصيب المنظومة التعليمية بأكملها. واليوم، أعود لأكرر الدعوة نفسها، لكن بلهجة أوضح، ونبرة أقوى، بعد أن أثبت الواقع أن التحذير لم يكن مبالغة، وأن ما اعتُبر «قرارًا تنظيميًا» تحوّل إلى أزمة حقيقية.
لم يعد خافيًا على أحد ما يعانيه معلمو اللغات الأجنبية الثانية في مصر. فبعد أن جرى إقصاء موادهم من المجموع، وجدوا أنفسهم فجأة بلا دور فعلي داخل المدارس، وكأن رسالتهم التعليمية قد أُلغيت بقرار إداري. معلم أفنى سنوات عمره في دراسة لغة وثقافة وحضارة، أصبح يؤدي دورًا شكليًا، بلا حافز، وبلا تقدير، وبلا طلاب يبالون بما يُدرَّس لهم، في مشهد أقرب إلى العزلة المهنية القاسية.
هذه الأزمة لم تتوقف عند حدود المعلم، بل امتدت لتطال الطلاب أنفسهم، الذين تلقوا رسالة واضحة مفادها أن اللغة الثانية «لا قيمة لها»، وأن النجاح يمكن تحقيقه دون بذل جهد حقيقي فيها. والنتيجة كانت تراجعًا ملحوظًا في مستوى التحصيل، واضطرابًا في البنية التعليمية، انعكس بوضوح في أرقام صادمة: أكثر من 66 ألف طالب راسب، مقابل 33 ألفًا فقط نجحوا بنظام «الرأفة»، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن الهروب منه: هل كان استبعاد اللغات الأجنبية الثانية من المجموع خطوة صائبة فعلًا؟
الأخطر من ذلك أن تداعيات القرار لم تكن تعليمية فحسب، بل اجتماعية واقتصادية أيضًا. فقد خسر مئات المعلمين مصدر دخلهم الأساسي من الدروس الخصوصية والكورسات، التي كانت تمثل لهم ولأسرهم حدًا أدنى من الاستقرار المعيشي. ومع هذا التهميش، تراجعت مكانة المعلم من عنصر أساسي في العملية التعليمية إلى مادة للسخرية والاستخفاف، في تناقض صارخ مع أي حديث رسمي عن تطوير التعليم أو بناء الإنسان.
وإذا ما قارنّا هذا المشهد بما يحدث في أنظمة التعليم الدولية، تتجلى المفارقة المؤلمة. ففي الشهادات الدولية، تُعد اللغات الأجنبية الثانية عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه. ففي البكالوريا الدولية (IB)، لا يحصل الطالب على الدبلومة دون دراسة لغتين على الأقل، باعتبار التعدد اللغوي ركيزة لبناء شخصية منفتحة وقادرة على التواصل العالمي. وفي نظام IGCSE وA-Levels البريطاني، تُحتسب اللغات الأجنبية ضمن المجموع، وتعزز فرص القبول في الجامعات المرموقة. أما في الشهادة الألمانية (Abitur)، فاللغات جزء أصيل من التقييم العام، وفي النظام الأمريكي، تمنح الجامعات الكبرى أولوية واضحة للطلاب ذوي الخلفية اللغوية المتعددة.
في المقابل، يجد طالب التعليم الحكومي المصري نفسه في وضع تنافسي ضعيف، محليًا ودوليًا، بسبب تقليص مهاراته اللغوية، وكأننا نُعدّه لعالم مغلق لا يعترف إلا بلغة واحدة، في زمن أصبحت فيه اللغات جواز مرور حقيقيًا للعلم والعمل والمنح والدراسة بالخارج.
وسط هذا الواقع، يبرز مقترح علمي جاد قدّمه الدكتور عبدالرحمن ناجي، عضو هيئة التدريس بكلية التربية جامعة عين شمس، ليقدم رؤية إصلاحية شاملة تعيد بناء الثانوية العامة على أسس متوازنة، بعيدًا عن منطق الحذف والإقصاء. يقوم هذا التصور على اعتبار اللغة العربية، واللغة الأجنبية الأولى، واللغة الأجنبية الثانية مواد أساسية لجميع الطلاب، بواقع 40 درجة لكل مادة، بما يرسخ مبدأ العدالة التعليمية.
ثم تنقسم الثانوية العامة إلى مسارات واضحة: علمي رياضيات، وعلمي علوم، وأدبي، بحيث يحصل كل مسار على مواد تخصصية متوازنة، ويصل المجموع الكلي إلى صيغة عادلة تعيد لكل علم وزنه الحقيقي، دون تهميش أو انتقاص. والأهم أن هذا التصور يعيد للغات الأجنبية الثانية مكانتها الطبيعية داخل المنظومة، لا كمواد هامشية، بل كجزء أصيل من تكوين الطالب.
إن ما يميز هذا المقترح أنه لا ينحاز لفئة على حساب أخرى، ولا يُقصي مادة لصالح مادة، بل يطرح حلًا عمليًا يحقق التوازن بين التخصص والانفتاح، وبين العلم واللغة، وبين المعرفة والقدرة على التواصل مع العالم.
وفي الختام، فإن إعادة الاعتبار للغات الأجنبية الثانية ليست مطلب معلمين فقط، بل ضرورة وطنية تمس مستقبل التعليم في مصر. فالدول لا تتقدم بعقول أحادية، ولا تبني نهضتها بلغة واحدة. وإذا كنا نؤمن حقًا بأن التعليم هو قاطرة التنمية، فإن مراجعة هذا القرار باتت واجبًا لا يحتمل التأجيل، قبل أن نجد أنفسنا أمام أجيال معزولة لغويًا، ومحدودة الفرص، في عالم لا يعترف إلا بمن يملك أدواته كاملة.



