علاء ثابت مسلم يكتب النجاح السريع: وصفة جاهزة للفشل المؤجَّل

يُسوَّق النجاح اليوم كما تُسوَّق الوجبات السريعة: وعدٌ بالشبع الفوري، دون سؤال عن القيمة الغذائية أو العواقب الصحية. في دقائق معدودة، وبكلمات منمّقة، يتحوّل الفشل إلى مشروع، والوهم إلى خطة، والحلم إلى سلعة معروضة بسعر “عرض خاص قبل انتهاء الوقت”.
ثقافة الثراء السريع لم تعد مجرد ظاهرة هامشية، بل صارت صناعة قائمة بذاتها، يقودها مدرّبو تحفيز لا يملكون من التحفيز سوى نبرة الصوت، ولا من النجاح سوى قصصًا مُعاد تدويرها. يحدّثونك بثقة عن الملايين، بينما لا تجد في حديثهم رقمًا واحدًا يمكن التحقق منه. يبيعون لك الطريق المختصر، لكنهم ينسون أن يخبرونك أن الاختصار الدائم يكون غالبًا إلى الهاوية.
اللافت أن هذا الخطاب لا يعادي العمل الجاد فقط، بل يسخر منه ضمنيًا. يُصوَّر الاجتهاد على أنه غباء، والتدرّج على أنه تضييع وقت، والخبرة على أنها عبء ثقيل. أما الصبر، فقد صار كلمة قديمة لا تصلح لعصر “النتائج خلال 30 يومًا”.
الكوتش الوهمي لا يعلّمك مهارة، بل يدرّبك على التصفيق. لا يمنحك معرفة، بل يملأ رأسك بجمل براقة تصلح للاقتباس ولا تصلح للحياة. يطلب منك أن “تؤمن بنفسك”، لكنه لا يخبرك بما تفعل بعد الإيمان. يحمّلك مسؤولية الفشل إن أخفقت، وينسب النجاح لنفسه إن نجحت صدفة.
الأكثر سخرية أن كثيرًا من دعاة النجاح السريع لا يعيشون مما يعلّمون، بل يربحون من بيع الوهم ذاته. نجاحهم الحقيقي ليس في بناء شركات أو ابتكار حلول، بل في إقناع الآخرين بأن النجاح سهل، شرط أن تدفع أولًا.
هذه الثقافة لا تصنع أثرياء، بل تصنع محبطين. ترفع سقف التوقعات دون أن ترفع مستوى الأدوات، فتكون النتيجة صدمة مؤجلة. يفشل المتلقي، لا لأنه عاجز، بل لأنه خُدع بوصفة لا تعترف بالواقع ولا تحترم قوانينه.
النجاح الحقيقي لا يأتي على هيئة إعلان، ولا يحتاج موسيقى حماسية، ولا يُختصر في “لايف” مدته ساعة. النجاح مسار طويل، مليء بالأخطاء والتعلّم، يحتاج وقتًا، وانضباطًا، وتواضعًا أمام التجربة. كل ما عدا ذلك مجرد قفزة في الهواء، قد تبدو مثيرة، لكنها تنتهي غالبًا بسقوط مؤلم.
ربما آن الأوان أن نسأل سؤالًا بسيطًا: لو كان النجاح بهذه السهولة، فلماذا لا ينجح الجميع؟ الإجابة لا تحتاج دورة تدريبية، بل قدرًا من الصدق مع النفس… وهو ما لا يُباع، ولا يُشترى، ولا يأتي سريعًا.



