علاء ثابت مسلم يكتب حين يدفع المريض ثمن أنينه… فضيحة الإهمال داخل مستشفيات التأمين الصحي

أكتب هذا المقال من موقع المسؤولية الصحفية، لا بدافع الإثارة، بل بوصفه قراءة نقدية ساخرة لواقع يفرض نفسه يوميًا داخل بعض مستشفيات التأمين الصحي، حيث تختلط الخدمة العامة بالمعاملة التجارية، ويتحوّل المريض من صاحب حق أصيل إلى طالب خدمة «مدفوعة النية» قبل أن تكون مدفوعة الثمن.
تبدأ الحكاية منذ لحظة دخول المريض إلى المستشفى، وهو يظن – بحسن نية – أن بطاقة التأمين الصحي كفيلة بحمايته من أعباء العلاج. سرعان ما يكتشف أن البطاقة تصلح للتصوير فقط، أما الواقع فله نظام آخر، غير مكتوب، لكنه مطبّق بدقة. كل شيء يسير ببطء شديد، إلى أن يظهر السؤال غير المعلن: «هتعمل إيه؟». هنا فقط تتسارع الإجراءات، وتتحول الوجوه العابسة إلى شبه متعاونة.
يتعامل بعض أفراد الطاقم مع الخدمة الطبية باعتبارها «ميزة إضافية»، وليست واجبًا وظيفيًا. الممرض لا يتحرك إلا بعد إشارة، والممرضة لا تستجيب إلا بعد «تقدير»، والعامل لا يرى المريض إلا إذا شعر أن هناك مقابلاً يستحق النظر. أما المريض، فيقف حائرًا بين مرضه وخجله، وبين حقه وخوفه من الإهمال إن لم يدفع.
تختفي الإدارة في توقيتات غريبة، وكأن مديري بعض المستشفيات يؤمنون بفلسفة «الإدارة عن بُعد»، أو لعلهم يعتقدون أن المستشفى تعمل بنظام التشغيل الذاتي. الشكاوى تُكتب، والبلاغات تُرفع، لكن النتائج لا تُرى، وكأن الهدف من كل ذلك استكمال أوراق لا تصحيح أخطاء.
تبلغ السخرية ذروتها داخل بعض أقسام العناية المركزة، حيث يُفترض أن تكون الإنسانية في أعلى درجاتها. هناك، يرقد المرضى بين أجهزة التنفس وأنين الألم، بينما ينشغل البعض بالضحك، والسمر، وتبادل الأحاديث الجانبية، في مشهد يصلح لكوميديا سوداء، لولا أن أبطاله مرضى لا ممثلون. الألم حقيقي، لكن الاكتراث مؤجل… أو ملغى.
يتساءل المتابع بمرارة: متى تحولت العناية المركزة إلى مساحة استهتار؟ ومتى أصبح وجع الإنسان تفصيلة ثانوية؟ هل تلقى بعض العاملين تدريبهم على تجاهل الألم، أم أن طول الاعتياد قتل الإحساس؟
لا يمكن إنكار وجود نماذج مشرفة داخل المنظومة، تعمل بضمير وتؤدي رسالتها بصدق، لكن ترك التجاوزات دون محاسبة يظلم هؤلاء قبل أن يظلم المرضى. فالفساد الصغير إذا صمتنا عنه، يتحول إلى قاعدة، والقاعدة إذا استمرت، تُسقط الثقة بالكامل.
تفرض المرحلة الحالية تدخلًا حاسمًا من المختصين، يبدأ برقابة حقيقية لا تعتمد على التقارير الورقية وحدها، ويمر بمحاسبة واضحة لا تعرف المجاملات، وينتهي بإعادة الاعتبار لفكرة أن العلاج حق، لا منحة، وأن المريض إنسان، لا عبء.
وختاما في بعض الأماكن، لا يحتاج المريض فقط إلى طبيب يعالجه، بل إلى «ميزانية» تحميه من الإهمال. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الحقيقي: من يعالج منظومة يفترض بها أن تعالج الناس؟



