أزمة الغاز تضرب الاقتصاد المصري… بين صدمة الإمدادات وضغوط العملة والتضخم

وقف تصدير الغاز المصري يشكل اختبارًا اقتصاديًا حقيقيًا لمصر في ظل التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فقد أدى الانقطاع المفاجئ لإمدادات الغاز الإسرائيلي إلى ضرورة إعادة توجيه الكميات المخصصة للتصدير إلى السوق المحلية لضمان استمرار الشبكة الكهربائية وتفادي أي انقطاعات محتملة، ما يعكس أولوية تأمين الاستهلاك الداخلي على حساب العائدات التصديرية.
تعتمد مصر على مزيج من الإنتاج المحلي والواردات لتلبية احتياجاتها من الغاز الطبيعي، حيث يبلغ الإنتاج المحلي نحو 4.1 مليار قدم مكعب يوميًا، مقابل طلب يصل إلى حوالي 6.2 مليار قدم مكعب، ما يخلق فجوة تم سدها جزئيًا عبر استيراد الغاز الإسرائيلي من حقلي "تمار" و"ليفياتان". وقد مثل هذا الغاز نحو خُمس الاستهلاك المحلي، في إطار اتفاقيات استراتيجية طويلة الأجل، أبرزها الصفقة الموقعة في ديسمبر 2025 بقيمة 35 مليار دولار لتوريد 130 مليار متر مكعب على مدى 15 عامًا. غير أن تفعيل بند "القوة القاهرة" ووقف الإمدادات كشف هشاشة هذا الاعتماد في ظل بيئة إقليمية متقلبة.
واجهت الحكومة المصرية خيارًا صعبًا بين السماح بنضوب الغاز المحلي أو إعادة توجيه الصادرات. فتم تحويل نحو 350 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز الطبيعي المسال إلى السوق المحلية، ووقف نحو 100 مليون قدم مكعب كانت موجهة إلى سوريا ولبنان. ويعكس هذا القرار حرص القاهرة على حماية استقرار الشبكة الكهربائية المحلية حتى لو كان على حساب الإيرادات التصديرية.
القرار الاقتصادي كان له تأثير مباشر على فاتورة الاستيراد، إذ إن الغاز الإسرائيلي كان يُستورد بتكلفة أقل مقارنة بأسعار الغاز المسال في الأسواق العالمية، ما يزيد من الضغط على الميزان التجاري المصري. كما أدى وقف التصدير إلى خسارة الإيرادات الدولارية التي كانت تدعم الاحتياطي النقدي، وزاد احتمالية تأثير سلبي على سوق الصرف.
القطاع الصناعي أيضًا تأثر، إذ أن استمرار انقطاع الإمدادات قد يؤدي إلى تقليص حصص الغاز، ما يرفع تكاليف الإنتاج ويؤثر على تنافسية الصادرات، وربما ينعكس على أسعار السلع المحلية. وبالنظر إلى المشهد الإقليمي، فإن أي اضطراب في مضيق هرمز سيزيد من أسعار الغاز عالميًا، وهو ما ينعكس على تكلفة الاستيراد المصرية ويضغط على الموازنة العامة.
الجنيه المصري تعرض لتراجع ملحوظ مع خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين الحكومي، ما يعكس حساسية السوق للتوترات الإقليمية. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين سيؤدي إلى موجة تضخمية جديدة، خصوصًا مع استمرار عدم استقرار البحر الأحمر وتأثيره على الملاحة.
إيرادات قناة السويس تواجه تهديدًا إضافيًا، إذ إن أي تصعيد أمني في البحر الأحمر قد يقلل من التدفقات عبر الممر الملاحي الحيوي، ما يضاعف الضغوط الاقتصادية على الدولة ويؤثر على النقد الأجنبي المتاح لدعم الاستقرار المالي.
البنك المركزي المصري يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج بين دعم النمو عبر سياسات تيسير نقدي، ومواجهة التضخم المحتمل برفع الفائدة. هذا الخيار الأخير قد يدعم العملة ويحد من خروج رؤوس الأموال، لكنه يزيد تكلفة الاقتراض على الحكومة والقطاع الخاص.
في المحصلة، قرار وقف تصدير الغاز يعكس تحولًا أعمق في السياسة الاقتصادية المصرية، حيث تم التضحية بالإيرادات الدولارية قصيرة الأجل للحفاظ على استقرار الإمدادات المحلية. ويظل نجاح إدارة الأزمة مرتبطًا بمدى استمرار التصعيد وقدرة الحكومة على تأمين بدائل بأسعار معقولة، مع مراعاة التأثير المحتمل على الموازنة العامة وسوق الصرف والقطاع الصناعي.



