هذا الموقع يتطلب تشغيل JavaScript للعمل بشكل صحيح. رجاءً قم بتمكين JavaScript في المتصفح.
الاثنين، ٨ يونيو ٢٠٢٦ - ٢٣ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ - ٢٠:٥٤ القاهرة
هيئة التحرير

مدير النشر

عبد المنعم سالم

مدير التحرير

علاء ثابت مسلم

فن وثقافة

تفاهة المشهد الثقافي وتحولات النسق القيمي: من تهميش المعرفة إلى صناعة النجومية الزائفة

img_preview
كتب : خاص احتواء الاثنين، ٨ يونيو ٢٠٢٦ في ١٦:٢٣
مشاركة :
whatsapp facebook twitter

بقلم ا: فاتحة أحمد يشو - المغرب

مقدمة

يشهد العالم المعاصر تحولات ثقافية عميقة مست مختلف أنساق القيم والمعايير الاجتماعية، حيث لم يعد الاعتراف الاجتماعي قائماً بالضرورة على المعرفة أو الإبداع أو الإنجاز العلمي، بل أصبح في كثير من الأحيان رهيناً بمنطق الشهرة والانتشار والقدرة على جذب الانتباه. وفي ظل هيمنة الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة تقديس التفاهة بوصفها إحدى السمات البارزة للثقافة الاستهلاكية الحديثة، إذ أضحت بعض الشخصيات التي لا تقدم إنتاجاً فكرياً أو علمياً ذا قيمة تحظى بمكانة رمزية وجماهيرية تفوق أحياناً مكانة العلماء والمفكرين والمبدعين.

وقد تناول عدد من المفكرين المعاصرين هذه التحولات النقدية في بنية المجتمع الحديث، حيث حلّل هذا الوضع بوصفه «نظاماً» يعيد إنتاج الرداءة داخل المؤسسات، بحيث لا يعود التفوق العلمي أو الفكري معياراً أساسياً للترقي الاجتماعي، بل تحل محله آليات الامتثال والولاء والقدرة على التكيف مع منطق السوق والمؤسسات. كما سبق للفيلسوف الفرنسي "غي إرنست ديبور"أن قدم قراءة نقدية لمجتمع الحداثة المتأخرة، معتبراً أن العالم المعاصر تحوّل إلى «مجتمع الفرجة»، حيث تستبدل العلاقة المباشرة بين الإنسان والواقع بصورٍ متداولة تُنتجها وسائل الإعلام، مما يعيد تشكيل الوعي وفق منطق الصورة لا منطق الحقيقة.

أولاً: مفهوم التفاهة وآليات إنتاجها

لا ترتبط التفاهة هنا بالمعنى الأخلاقي الضيق للكلمة، وإنما تشير إلى هيمنة المضامين السطحية التي تستهدف الإثارة السريعة والاستهلاك اللحظي على حساب الفكر العميق والمعرفة الرصينة. وقد ساهمت وسائل الإعلام الحديثة في إنتاج ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث أصبحت القيمة تقاس بعدد المشاهدات والمتابعين والتفاعلات، لا بمقدار الفائدة أو الإسهام الحضاري الذي يقدمه الفرد للمجتمع.

وبذلك نشأت صناعة كاملة للنجومية الزائفة، تعتمد على الترويج المستمر لشخصيات تحقق نسب مشاهدة مرتفعة، بغض النظر عن طبيعة المحتوى الذي تقدمه. فتحول بعض المؤثرين وصناع المحتوى الترفيهي إلى رموز جماهيرية، بينما تراجع حضور الباحثين والعلماء في الفضاء العمومي.

ثانياً: التحولات الثقافية وصعود النسق الحضري الاستهلاكي

أفرزت العولمة الثقافية نموذجاً حضرياً جديداً يقوم على الاستهلاك السريع للصور والرموز. ففي هذا النسق لم تعد الثقافة تُفهم باعتبارها مشروعاً لبناء الوعي وتنمية العقل، بل أصبحت جزءاً من صناعة الترفيه. وأمام هذا التحول، انتقلت المجتمعات من تقدير المعرفة بوصفها رأسمالاً رمزياً إلى تقدير الشهرة باعتبارها رأسمالاً اجتماعياً قابلاً للتحويل إلى نفوذ اقتصادي وإعلامي.

وقد أدى هذا الوضع إلى اختلال في سلم القيم، حيث بات الشباب يتخذون من المشاهير نماذج للنجاح أكثر من اتخاذهم العلماء والمفكرين قدوات لهم. فالمجتمع الذي يسلط الأضواء على المشاهير أكثر مما يسلطها على الباحثين والمخترعين، إنما يعيد تشكيل وعي أفراده وفق معايير سطحية قد تؤدي إلى تراجع الاهتمام بالعلم والإبداع الحقيقي.

ثالثاً: بين التمثيل الرمزي للأمم ومكانة النخب المعرفية

يعد التمثيل الرمزي للأمم في المحافل الدولية مؤشراً مهماً على طبيعة القيم التي ترغب المجتمعات في إبرازها للعالم. وعندما يحتل الفن الاستعراضي أو الشخصيات المثيرة للجدل واجهة المشهد الثقافي والدبلوماسي، بينما يغيب العلماء والأدباء والمفكرون، فإن ذلك يعكس أزمة في ترتيب الأولويات الرمزية للمجتمع.

وتتجلى هذه المفارقة بصورة أوضح حين تُختزل صورة المرأة أو النجاح الاجتماعي في الجسد ومقومات الإغراء البصري، فتتحول بعض المظاهر المرتبطة بالاستعراض الجسدي إلى رأسمال رمزي يُقدَّم بوصفه عنواناً للحداثة أو مؤشراً على الحضور الثقافي، في الوقت الذي تتراجع فيه مكانة الكفاءة العلمية والإبداع الفكري في صناعة الصورة الحضارية للأمة. وهكذا يصبح الجسد، بما يحمله من حمولات استهلاكية وإشهارية، أكثر قدرة على جذب الانتباه من المنجز المعرفي، الأمر الذي يكشف عن هيمنة منطق الفرجة الذي تحدث عنه ديبور على حساب منطق المعرفة.

ولا يعني هذا التقليل من قيمة الفنون أو الإبداع الجمالي، فالفن جزء أصيل من الحضارة الإنسانية، لكن الإشكال يظهر عندما تتحول الشهرة وحدها إلى معيار للاختيار والتمثيل، متجاوزة معايير الكفاءة الفكرية أو الإسهام العلمي والثقافي. وهو ما يتقاطع مع نقد لبنية المؤسسات الحديثة التي تعيد إنتاج القيمة وفق منطق غير كفائي.

رابعاً: الآثار الاجتماعية والثقافية لهيمنة التفاهة

لا تقتصر آثار هيمنة ثقافة التفاهة على المجال الإعلامي فحسب، بل تمتد لتطال البنية القيمية والمعرفية للمجتمع بأسره. فحين تتصدر الشخصيات المشهورة لاعتبارات مرتبطة بالإثارة والانتشار السريع واجهة المشهد العام، يتراجع الاهتمام بالعلم والمعرفة بوصفهما وسيلتين للارتقاء الفردي والجماعي.

وينعكس ذلك على فئات واسعة من الشباب الذين قد يعيدون صياغة تصوراتهم للنجاح وفق معايير الشهرة والظهور الإعلامي بدل معايير الاجتهاد والإبداع والإنجاز الحقيقي. كما تسهم هذه الظاهرة في إضعاف التفكير النقدي وتعزيز النزعة الاستهلاكية، حيث يصبح الفرد مستهلكاً للصور والمضامين الجاهزة أكثر من كونه منتجاً للأفكار والمعارف.

ومن جهة أخرى، يؤدي تضخم حضور المحتوى السطحي إلى تهميش المؤسسات الثقافية والتربوية وإضعاف دورها في بناء الوعي وتوجيه الذوق العام، الأمر الذي يفضي تدريجياً إلى اتساع الهوة بين متطلبات التنمية الحضارية القائمة على العلم والكفاءة وبين واقع ثقافي يحتفي بالمظاهر أكثر مما يحتفي بالجوهر، ويمنح الاعتراف الاجتماعي لمن يجذب الانتباه لا لمن يسهم في صناعة التقدم والمعرفة.

خلاصة:

إن أزمة التفاهة ليست أزمة أفراد بقدر ما هي أزمة نسق ثقافي كامل يعيد إنتاج معاييره وفق منطق السوق والانتشار. فحين يصبح عدد المتابعين أهم من قيمة الفكرة، وتتحول الشهرة إلى بديل عن الكفاءة، تتراجع مكانة المعرفة ويخفت صوت العلماء لصالح ضجيج الصورة والإثارة.

غير أن مستقبل المجتمعات يظل رهيناً بقدرتها على استعادة التوازن بين الترفيه والمعرفة، وبين الاحتفاء بالمشاهير وتقدير أصحاب الإنجازات الفكرية والعلمية، لأن الحضارات لا تُبنى بالضوء العابر للشهرة، بل بالنور المستدام للعلم والثقافة والإبداع.

آخر الأخبار
اعلن معنا
Ehtwaa_logo

احتواء نيوز هي منصتكم الأولى التي تجمع بين أخبار العالم , اقتصاد , سياسة , الصحة النفسية، والتربية الخاصة ، واللايف كوتشينغ ، في رؤية متكاملة تعزز نمو الإنسان ورفاهيته على المستويات كافة

اتصل بنا

العنوان : حدائق الأهرام - البوابة الأولي
الهاتف : 01556650744
الايميل : ehtwaanews@gmail.com
إشترك معنا بالنشرة الإخبارية
كن على اتصال معنا

الموقع الجغرافى :

© 2025 احتواء نيوز - EhtwaaNews. جميع الحقوق محفوظة.